الدكتورة : سناء أبو شرار - الأردن - " خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

تريد أن تكون الأجمل
الأقوى، الأشد ذكاءاً
الأكثر شهرة
ولكن إلى متى؟
حين نراقب كلماتنا، تصرفاتنا، ردود أفعالنا نجد أن الجزء الأكبر منها متعلق بالمنافسة، منافسة مُعلنه أو خفية؛ سواء في المكاتب أو البيوت، سواء في الشوارع أو المحلات، نحن جميعاً نعيش حالة من المنافسة المتواصلة، والبحث الدؤوب عن إثبات الذات.
ولأجل النجاح في المنافسة، ولأجل إثبات الذات ندفع أثمان باهظة مع إدراكنا لذلك أو عدم إدراكنا له، مع إصرارنا أو تجاهلنا، مع المضي بشراسة أكبر أو الانسحاب بسلبية أعمق.
هناك المنافسة في الحب، من الأكثر نجاحاً في الحب، من الأكثر سيطرة في العلاقة، من لديه العدد الأكبر من المعجبات، أو من لديها الطابور الأطول من المعجبين.
هناك المنافسة في العمل، من الأكثر تقدماً، من الأكثر طموحاً، من يحرق خطوات الترفيع في العمل ومن لا يستطيع مواكبه السلم الكهربائي الصاعد، أو يتعثر في السلم النازل.
وهناك المنافسة في الزواج، من له الكلمة الأخيرة في البيت، من يضع القوانين، من يسيطر على الآخر.
ثم المنافسة في المظهر وفي الإنفاق والاستهلاك ومن أكثر تألقاً ولفتاً للنظر في المجالس والصالونات، ومنافسات عديدة صامته أو صريحة.
وفيما مضى كانت المنافسة عنصر مهم في تطور البشر، ولكنها الآن أصبحت عنصر شبه مدمر للعلاقات الإنسانية بل والدولية؛ فحين يفقد البشر مفهوم التعايش والتكاتف وتصبح المنافسة هي التي تحكم العلاقات فلابد أن تصبح البيوت هشة وواهنة، ولابد أن تصبح العلاقات مجرد نفاق كاذب، ولابد أن تصبح المجتمع شيئاً ما يشبه المصيدة الكبيرة.
وحين نفتخر بتدمير الآخر، وتشويه سمعته، وحين تصبح المواقع الإلكترونية فرصة ذهبية لتفكيك العلاقات، فمن لا يستطيع الانتصار على أرض الواقع سوف ينتصر بكسبة زر صغير على الكمبيوتر او الموبايل ليدمر سمعة الآخر ويُثير حوله الشكوك والإشاعات والافتراءات.
حين تصبح انجازاتنا هي سبق الآخر، هزيمته، سحق سمعته ومعنوياته، فلابد أن نتوقف قليلاً وأن نسأل أنفسنا: لماذا نريد الفوز بهذه المنافسة التي تمنحنا نصراً مؤقتاً ولكنها في الحقيقة هزيمة دائمة؟
في كل مرحلة من حياتنا، حين نراقب أنفسنا ونشعر بأننا قد نفرح لهزيمة الآخر وتدميره وزرع الإحباط في نفسه، لابد أن نشكك بسلامة صحتنا الإنسانية وليس فقط النفسية.
وننسى أو ربما لا نعلم، بأن من يفوز حقاً في المنافسة هو من يتخلى تماماً عنها؛ وأن من استطاع أن يثبت ذاته حقاً هو من توقف عن محاولة إثبات الذات؛ وذلك ليس بمفهوم السلبية أو الانغلاق بل بمفهوم الثقة والنضج الإنساني؛ فإن أكثر الناس عطاءاً هم أقلهم أنانية، وأكثرهم نضجاً أقلهم صراعاً مع الآخرين أو لأجل الآخرين؛ يعيشون عالماً هادئاً بأعماقهم ويعلمون أن الحياة تمر رغم كل الصراعات، فلا يبددون طاقتهم بالصراع لأجل الفوز، ولا يتدنى مستواهم الفكري بتمني فشل الآخر؛ إنهم يعيشون لأجل الحياة وليس لأجل الآخرين.