مريم بوزيد سبابو - الجزائر - " وكالة أخبار المرأة "

من يستمع إلى المحامية بن براهم وهي تتكلم على الشاشات بكل ثقة وتلقائية، لو يسمع لها وهي تتحدث عن أسباب طلاقها، وعن أسرتها، وعن مواقفها من قضايا شائكة، وعن دفاعها عن ضحايا تعذيب فرنسا وكيف تريد ملاحقة هذه الأخيرة على جرائمها، وعن مسائل أخرى كثيرة. يدرك أنها شخصية مقنعة تعرف بدقة القانون وحيثياته وما تريد، ذات البشرة الحنطية والشعر الأشقر، تعوّد المشاهدُ عليها وعلى شكلها، تملأ الشاشة ببلاغتها وتمكنها من لغة فصيحة تجمع بين اليومية والفصحى؛ لتوصل مواد القانون ومصطلحاته، إضافة إلى فرنسية سلسة، لا يهم الشكل سيدة تتقن فن التخاطب والإقناع بحجة القانون، وروحها المرحة. لكن دخولها لجنة الحوار التي انتقدت وما زالت تنتقد غيّر من النظرة إلى المرأة ومواقفها السياسية والمجتمعية والمشروع الوطني.
شخصية أخرى دخلت اللجنة المغضوب عليها، وهي سعيدة نغزة، اسم كبير في مجال الأعمال الجزائرية المغاربية والعربية والإفريقية، ومن يسمعها وهي تنتقد فساد رجال الأعمال، وكيف واجهتهم. كأنك في فيلم «أكشن»؛ لا تريد أن تغمض عينيك وهي تتحداهم بدون أن تخافهم، بل تخاف من الله فقط. لطالما انتشر هذا الفيديو الذي تنتقد فيه رجل الأعمال المسجون علي حداد، وهذا قبل أن يتهم الرجل ويسجن.. أي كانت على علم بكل الخبايا، وكانت لها الجرأة في النقد، هذا الذي جعل منها بطلة مؤقتة، لكن القبول بدخول الحلقة النارية ولجنة الحوار جعل السحر ينقلب على سحر كلماتها وكاريزمتها، وأصبحت متهمة بالتطبيل للعهدة الخامسة وبأنها استفادت من الموائد نفسها، واستعملت الملاعق نفسها لتغرف. وهي جزء من منظومة الفساد، هذا ما تناقلته وسائل التواصل الاجتماعي والجرائد. خارج سرب الشقراوات يأتي دور السمر، أو الحنطيات، فهما سيان. انتقدت حدة حزام نقداً لاذعاً مس حتى أسرتها، مع كل أسف. لا بأس في انتقاد من سعوا إلى حتفهم السياسي والنضالي، لكن دون المساس بأسرهم، لا سيما إن لم يكن للأسر دخل في ما يحدث. وإنها كانت ديكتاتورية في التعامل مع موظفيها، واستفادت من هبات الجنرال الفلاني، واحتكارها إعلانات بجريدتها… إلخ. وإن إضراب الطعام الذي قامت به منذ سنة كان لشد الانتباه، وهناك من قال بأنه ملفق. صور السيدات الأربع ملأت مواقع التواصل الاجتماعي، بإضافة السيدة بن عبو فتيحة، أستاذة القانون الدستوري، التي شغلت رواد مواقع التواصل الاجتماعي والإعلام بتصريحها غير المرغوب الذي قوبل بالسخرية، بعد استدعائها من طرف حكومة بدوي… صور حورت بالـ «فوتوشوب» أو التقطت لهن في وضعيات أريد لها أن تبين بشاعة الحوار ونتائجه الكارثية من خلال تشنجات وجوههن، وهات يا تعليقات.. ألا توجد غير هذه تدخل الحوار، التسميات والتذمر الذي يلاحق أي فعل سياسي غير مرغوب فيه يتشكل بسرعة لافتة. هكذا تحولت لجنة الحوار إلى لجنة الخوار، والخوار إلى أبقار، هذا من إفرازات الحراك.
هاجر الريسوني…ضحية العرف أو القانون
سجن الصحافية المغربية هاجر الريسوني، التي تعمل في جريدة «أخبار اليوم» المغربية المستقلة، قوبل بردود أفعال كبيرة، بين منددة لما حدث لها ولا سيما الطريقة الهوليودية التي تم إلقاء القبض عليها… عين الأمن التي لا تنام وهي ترصد وتترقب سلوكات المرأة الأكثر حميمية! لنتخيل شرطة عند كل أبواب العيادات وأمراض النساء والتوليد، ولا يهم مستقبل أبنائنا وهم يتعاطون المخدرات جهاراً عند المدارس والثانويات.. ولم تكلف أنظمتنا خاطرها وتضع شرطة مختصة لتفكيك عصابات تفترس، كل لحظة، تلاميذ يدخلون تجارب التعاطي القاتلة.. لكن قد تجد كاميرات مراقبة في شارع تسكنه نساء بمفردهن لتتبع خطواتهن وتسكن القبيلة كل مؤسساتنا الحديثة، فلا بد من مغادرة مجالس السمر والفذلكة التي يروج لها دعاة الحداثة. ما زالت الوصاية والولاية على أكثر النساء صلابة ومكانة، فكم هو محبط الفرق بين الاهتمام بالمواطن مهما كان جنسه والسهر على راحته، وبين ترقب حركاته وسكناته ومسك أي زلة عليه… ثم أي إفادة وردت لمصالح الأمن لمراقبة هاجر الريسوني إن لم يكن خطيبها السوداني باحثاً وحقوقياً.. لا هذا كثير غير محتمل! ما الذي جمع المغرب بالسودان؟ هي إجراءات الزواج المختلط التي تجعل المرأة الطالبة لمثل هذه الزيجة محط أنظار من الإدارة وإن كان المتقدم مسلماً. وكل هذا ليس من أجل جمال عيون الإسلام أو الدفاع عنه، بل لغايات في نفس يعقوبِ الإدارةِ والنظام. ما الذي يدفع مغربية أو مغاربية بالزواج بغير مغربي؟
تتداخل الرغبات، رغبة قانون يريد التنكيد على المواطن أكثر مما يسهل حياته، ولا أدل على ذلك ما يتطلبه ملف الزواج بالأجنبي في المغرب وغيره من بلداننا العربية.
وبعد اكتمال الملف، على المتقدم بملف الزواج من هذا النوع أن ينتظر خمس سنوات حتى يوثق الزواج، «موت يا…». كذلك رغبة التنكيد على المواطنة التي -وبالرغم من المساواة أمام القانون- تعامل على أرض الواقع معاملة تبين أنها مواطنة من درجة دنيا تحتاج إلى معاملة خاصة، وكم يحلو لبعضٍ التقليلُ من شأن بعض المواطنات وكسر شوكتهن.
وإذا كان القانون يجرم الإجهاض الذي اتهمت به الريسوني، والذي سجنها وهي التي تملك إرادتها، فأولى بهذا القانون أن يتابع الجرائم التي ترتكب في حق القاصرات مع أصحاب المال، والحد من جماح السواح المتعطشين لهدر دم وكرامة القاصرات، أم.. لقمة عيش المواطن تفرض عبودية من نوع آخر وبتواطؤ الجميع!… هكذا تنهش لحوم فتيات غير بالغات من طرف رغبات جشعة مريضة.. ننتظر «آمنستي»، منظمة العفو الدولية، لتعفي عن الجميع.
المثلية في تونس
قد يخرج صندوق الانتخابات بتونس العجب أو المفاجأة. تونس التي أذهلت القريب والبعيد، بلد صغير الحجم لكن الحياة فيه تشهد انفجارات ولودة على كل المستويات.
والمغزى ليس بحجم البلد، ولكن بحجم الممارسات الديمقراطية فيه، والتي زادت رواد مواقع التواصل الاجتماعي افتخاراً، لا سيما بعد المناظرات التلفزيونية للمتنافسين على قصر قرطاج. السير باتجاه قرطاج سيكون ملحمياً على أكثر من صعيد، يتنافس فيه الأحرار، والمنضوون تحت أحزاب إسلامية، وأخرى تخرج المثلية من كابوس التخفي للسير نحو قصر قرطاج. ماذا يمكن القول عن هذه الخطوة التي جعلت تونس «هولندا» البلدان المغربية والعربية، وهي تنتصر للمثليين وبهذا الشكل؟ هولندا، وبالرغم من تسامحها وبأنها أول بلد يعترف بارتباط المثليين وتشريعه في 2001، إلا أن مدينة كأمستردام أصبحت جحيماً لهذه الفئة بعد رفض البلديات عقد مثل هذه الزيجات المحرمة في الإنجيل، ما جعل كثيرين يهربون إلى لاهاي. وبالرغم من ذلك، يدعم سفيرها مثليي تونس ويحضر احتفالاتهم، أليست مشاكل المجتمع التونسي السياسية والاقتصادية وتفاقم البطالة والعنف ظروفاً يمكنها أن تفرمل بروز هذه الفئة كما حدث في البلد النموذج، حيث الظروف الاقتصادية المتفاقمة أظهرت عدائية وكرهاً للمثليين. هذا إضافة إلى ثقافة المجتمع التونسي؟ إن خبر ترشح رئيس جمعية «شمس» للمثليين، المحامي منير بعتور، للرئاسيات، جاء كالصاعقة على كثيرين، ورأوه انتهاكاً صارخاً لقيم المجتمع التونسي، وهناك من رآه قبولاً للعبة الديمقراطية وحرية شخصية، وأن الصندوق هو الفيصل. هل هو زمن تحرير الأوطان أم تحرير مكبوتات الجسد؟ أم تحرير الجسد ليتحرر الوطن؟ أم لا معنى لهذا بدون ذلك؟
الكل يعلم أن مثل هذه الممارسات، منذ قوم لوط، موجودة في المجتمعات العربية الإسلامية، وأن المجتمع الإسلامي كان متسامحاً مع الجماعة التي لم تفصح بفظاظة الاحتجاجات عن رغبات تعرف موقف الثقافة والأعراف فيها قبل الدين. ولم يكونوا ليحلموا بالاعتراف الرسمي، لكن كل شيء ممكن في هذا القرن 21. وتبقى الكلمة الأولى والأخيرة للتونسيين وحدهم وللصندوق الشفاف.