الخرطوم - " وكالة أخبار المرأة "

مهما يكن ما شعرت به النساء السودانيات من امتعاض أو إحباط في فترة الإعداد للحكومة الانتقالية التي ستحكم البلاد لثلاث سنوات وبضعة أشهر فإنهن بالتأكيد لن يعشن أسوأ مما عشنه في العقود الثلاثة الأخيرة التي حكم فيها الرئيس المخلوع عمر البشير تحت راية الحركة الإسلامية السودانية. فطيلة تلك الفترة كانت النساء هدفاً للقمع الممنهج والإذلال باسم الدين وهذا ما لن يسمحن بالعودة له مرة أخرى بأي حال من الأحوال.
ليس أمام السودانيات من خيار سوى أن يتخطين حالة عدم الرضا عن تمثيلهن في المجلس السيادي ومجلس الوزراء ويركزن إهتمامهن على تحقيق نصيب منصف في المجلس التشريعي المرتقب تكوينه بعد ثلاثة أشهر حسب الاتفاق السياسي مع المكون العسكري في الحكومة الانتقالية  فظهور أول امرأة في تاريخ البلاد كوزير للخارجية بعد سنوات من ردة نظام البشير الذي أعاد السفيرات من الخارج وقصر المهمة على الرجال أمر معزز للآمال رغم قلة نسبة تمثيل النساء في الحكومة الجديدة التي اعلنها الخميس الماضي رئيس الوزراء الجديد عبد الله حمدوك بأربع سيدات ينتظر أن يزدن واحدة أو اثنتين بتكملة تسمية أعضاء مجلسه.
تنظر النساء السودانيات من مختلف مواقعهن للفترة الانتقالية كبداية لتحول حقيقي وملموس في أوضاعهن ليس على مستوى السلطة الحاكمة الجديدة فحسب بل وفي داخل التنظيمات المختلفة السياسية والمهنية والحقوقية. فنسبة الأربعين في المئة التي ألزمت بها قوى الحرية والتغييرنفسها ليست نصيباً عادلاً بالنسبة لنضالهن طوال سنوات حكم البشير ولا بالمقارنة مع أدائهن الحزبي أو المطلبي في كياناتهن النسوية أو الحقوقية المنفردة أو المشتركة مع الرجال. ورغم ذلك فمن الواضح أن قوى الحرية والتغيير الممسكة بزمام الإطار العام للسلطة الجديدة لم تنجح في الوفاء بتلك النسبة التي عرضتها وفق ما ظهر من التمثيل الوزاري الحالي رغم تحرك النساء بضغط مدعوم من رجال مساندين للمرأة في حملة (خمسين) التي قادتها منظمات نسوية عديدة تدعو فيها لنيل النساء نصف مقاعد التشكيل الوزاري لكن علينا أن نسأل أنفسنا بصدق: هل نكصت قوى الثورة عن عهدها؟
لا يبدو الأمر كذلك. فمن التسريبات عن الترشيحات الوزارية كرر أكثر من قيادي في قوى الحرية والتغيير ليس آخرهم محمد ضياء الدين في لقاء تلفزيوني إن الجسم النسوي المعني بتقديم مرشحات لم يكن داعماً بشكل كاف للسيدات بل وتحدثت مصادر عديدة لصحافيين أن بعض المسوؤلات عن ترشيح المرأة انتصرن لمرشحين ذكور ضد منافساتهم من النساء كما حدث في ترشيح وزارة الصحة مثلاً!
ويجدر بالذكر أن قضايا النساء في السودان ليست بالضرورة هي قضايا النسوية فالنساء في الريف والهامش الممتد على سبيل المثال لسن معنيات بقضايا المساواة بقدر حاجتهن للإنصاف والعدالة، وقبلها أساسيات الحياة البسيطة فالفتيات اللائي يفقدن فرصهن في التعليم جراء انعدام الحمامات في المدارس لا يهمهن صعود أول امرأة لوزارة الخارجية في السودان ولا يفرحهن بانتهاء عهد ملاحقة الفتيات قانونياُ وجلدهن لمجرد إرتدائهن البنطلون، بل أزماتهن هي  افتقارهن لمكان  لقضاء الحاجة بدون الاضطرار للعودة للمنزل بسبب عدم وجود حمامات في كثير من المدارس، ومن ثم يتراجعن عن قطع مسافات طويلة للعودة للفصول الدراسية إذ يختصرن تلك المشاق ويكتفين بمشاق العمل المنزلي ومساعدة الأسرة في الحقل أو أي نوع عمل يدعم وجود الأسرة على قيد الحياة.
هؤلاء نساء لا يتذكرهن أحد إلا لماماً على المنابر في أوقات الحديث عن قضايا الريف والهامش ضمن سلة مطالب لا يجدن أنفسهن فيها كبند منفصل أو جند أساسي رغم أنهن في أوقات كثيرة عمود أساسي في حياة المقيمين في المدن حين يضطرهن الضغط الاقتصادي أو الحرب أو حتى التغير المناخي للنزوح للمدن فيتحولن لعاملات منزليات أو بائعات أطعمة وشاي على الطرقات العامة أو حتى صانعات خمور بلدية تلاحقهن السلطات بالسجن والجلد ومصادرة أدوات العمل ما لم تنجيهن الرشاوى لمنفذي الحملات.
ما أظهرته سنوات حكم الرئيس المخلوع عمر البشير من معاداة للنساء لن يكون هيناً عبوره ولا يمكن نسيانه. ففي تلك الدولة خصصت منابر الكثير من المساجد خصوصاً فترات الضيق المعيشي لتعليق فشل السلطة بل وفساد قادتها على النساء حين كانت المنابر تضج بالحديث عن أن سبب الفقر وسوء الطقس ربما هو ملابس النساء الضيقة أو سراويلهن المتشبهة بالكفار. ونجحت في تسويق خطاب معادي للمرأة ويحط من قدرها على الرغم من أن الإحصاءات الموثوقة كانت تؤكد أن أكثر من (40%) من الأسر تعيلها النساء بالكامل لكن رغم ذلك منعهن النظام السابق من العمل في بعض المهن العادية كمحطات الوقود؟ ومازلن محرومات من الترقي للرتب الأعلى في القوات النظامية، وظل ركوب الدراجات النارية من عظائم الأمور أو التجول بالدراجات الهوائية!
ربما ستكون واحدة من أكبر وأهم تحديات المرأة السودانية في المرحلة الانتقالية هي جسر الهوة بينها وبين نظيراتها في كل بقاع السودان قبل التحرك نحو عدالة تمثيلهن داخل أحزابهن السياسية التي أظهرت فشلاً- إن أحسنّا الظن – في تقديم كوادر نسائية مقنعة للشارع العام وحتى لنظيراتهن اللائي لم يتورعن عن خذلانهن في اللجان الداخلية، وتلك في حد ذاتها مسألة تستحق العناية والمعالجة للخروج من استسهال الركون للتحجج بالمقولة التقليدية” المرأة عدو المرأة”، فالنساء في الأحزاب السياسية  الموصوفة بالتقليدية أو تلك المصنفة بالحديثة أو التقدمية استمر تمثيلهن في المكاتب المتعلقة بالمرأة عدا حالات محدودة كما حدث في حزب الأمة القومي بزعامة الصادق المهدي بترقي سارة نقد الله لمنصب نائب رئيس الحزب أو وصول هنادي فضل لعضوية اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني. لكن حين وصلت هالة عبد الحليم لرئاسة حزب حركة القوى الجديدة “حق” لم يحتملها حتى رفاق نضالها وصارت مجرد علامة في التاريخ بعد عزلها من الرئاسة! تقريباً هو سيناريو عزل الطالبة الجامعية ولاء صلاح نفسه حين صارت أول رئيسة لاتحاد جامعة الخرطوم الأعرق في السودان في النصف الثاني من عشرية الألفية الجديدة الأولى.
لكن من أهم التحديات التي تنتظر النساء في المستقبل القريب هو خلق أجسام شبابية نسائية تستوعب الشابات اللائي أشعلن الثورة مع رفاقهن من الشباب أو استيعابهن في المنظومات القائمة بما يسمح بتعبيرهن بشكل حقيقي وواقعي عن جيلهن وأفكارهن للتغيير والثورة والتي ثبت بشكل قاطع أنها لم تكن ضد نظام البشير فقط بل ضد كل القديم والسائد وأنهم ييدون شيئاً مختلفاً للوطن ومن الوطن.
 كما سيلزم النساء نضال قاس ضد قوانين كثيرة تضرب عرض الحائط بكل مكاسبهن التاريخية والحالية إذ لا يعقل أن يخسرن في لمح البصر وبوجود رئيس وزراء العهد الجديد مكسبهن الوحيد منذ بدء الثورة الشعبية في ديسمبر/كانون الأول الماضي بتجميد لائحة النظام العام التي حاول الرئيس المخلوع عمر البشير ومدير مخابراته المختفي صلاح قوش مغازلة الشارع بها في عز الحراك الثوري. ففي الأسبوع الماضي فقط عاودت حملات النظام العام الظهور في منطقة أمبدة في مدينة أم درمان وألقت القبض على سيدات هناك!
ولن يكون مقبولاً على الإطلاق استمرار التقليل من وضع الأمهات حين يكون – كما هو الحال الآن – ليس بمقدورهن استخراج أي مستندات رسمية لأطفالهن بدون إذن الزوج أو الطليق، ولا يمكنها السفر بالمحضون ما لم يوافق الأب. ولنا أن نتخيل حجم التعنت المتوقع لو كان الأب على خلاف مع الأم! فالنضال في الشق القانوني يلزمه وحدة موقف وتمثيل حقيقي للنساء في الجسم التشريعي إذ لا يمكن توقع أن يمثلهن الآخر وهن موجودات. لا أظن أن النساء سيواجهن مشكلة في سن قوانين تجرم ختان الإناث مثلاً لكنهن لن يعبرن لمطالب العدالة في قوانين الأسرة ما لم يصلن بأنفسهن للبرلمان وبصوت موحد. ورأينا جميعاً كيف أنجزن تعديلات على قانون الطفل في فترة حكم الرئيس المخلوع عمر البشير بشكل مرض لحد كبير للنساء من مختلف الاتجاهات السياسية بفعل العمل المشترك.
ويحسن القول إن تحديات النساء في المرحلة المقبلة التي يتطلع فيها الشعب لإعادة تقديم نفسه للعالم وبل للحياة هي ذاتها تحديات الرجال لكن يزيد عليها أنهن سيواجهن أيضاً مقاومة من داخل مجتمعهن النسوي. وكلمة السر في ذلك: الجهل، فنسبة الأمية بين النساء أعلى من الرجال لأسباب اقتصاية واجتماعية ودينية متوهمة في بعض المجتمعات لكن عزمهن الذي أظهرنه في الثورة يجعل اليقين أقوى أنهن سينتصرن مثلما أنتصرن على ثلاثة عقود من دفن تاريخهن وحاضرهن.