أميرة عبدالهادى - القاهرة - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

حينما أمسكت " سمية " بالقلم، وبدأت تكتب قصتها مع مرض السرطان، شَعَرَتٌ بأن الألم بدأ يعود مجدداً إلى جسدها الذى أنهكه التعب ، وبدأ قلمها يحاكيها وصار يناجيها " رفقا بحالك سيدتى، فقررت أن تمنحنى قلمها، وتفتح لى خزائن ذكرياتها وتطلعنى على محطات تجربتها مع المرض اللعين، وسمحت لى بأن أكتب قصتها واتسلل إلى أعماق أعماقها.. هنا قصة " سمية " كما أرادت أن أرويها أنا لكم كتجربة حية من تجارب الحياة :
 " حينما وقفت أمام غطاء صحن طعام،  أيقظ ذلك الغطاء ذاكرتي، وضغط عليها بكل عنف حتى ابتعدت عن الطعام الذى أمامي، وأخذت نفساً عميقا ، ووجدتنى أسترجع كل ما مر بذاكرتى خلال رحلة مقاومتى لمرض السرطان.
فحينما كنت أنهض من النوم، أجدنى  أريد أن تبتلعني الأرض، لكى لا يراني أحد، حينما  ينتزع غطاء الرأس من فوقى ،  أتحسس بيدي فلا أجد شعري الذي أبتعد تركنى ورحل بعيدا عنى،  الصراع بداخلي يقتلني
حينما داهمني المرض اللعين، وقفت أمام الطبيب وكأن الزمان توقف بى وبات الكلام يتقطع .. بدأت التساؤلات تضرب بعنف فى إذني .. هل الموت يقترب ؟ هل هو من يجذبنى من يدي ؟
لكننى كنت دائماً أتمسك  بيد ربى .. فتغادرنى الأسألة الموجعة.
بدأت اكتب على أوراقي  قصتي، وملئت  قلمى من محبرتي التي إمتلت بدمى الذي كان يسيل دائماً منى،  وكرهت لأجله اللون الأحمر، حتى فى شهب السماء التى باتت تحيرني .. تقلقنى .. تخيفنى .
رفضت فى بادئ الأمر الخضوع لتعليمات الطبيب، لكن حينما كان الألم ينتظر قدوم الليل لكى ينفرد بى، وحين سمعت كلمات زوجي الذى أمسك بيدى وكأن الله قد بعثه لى لكى يخرجني من هذا البئر الذى القانى به المرض .. حينها قال لى  " نحن مؤمنون بالله وإيماننا يوجب علينا الصبر والإتكال على الله واحتساب الأجر عن هذا المرض" وبدأ يذكرني بابتلاءات الأنبياء، وأولى العزم من الرسل ، الذين جعلهم الله قدوة لنا.
بعد هذه الكلمات بدأت اشعر بالحقيقة .. وتملكتنى قوة تدفعنى لعدم الإستسلام والمقاومة . والخروج من ذلك البئر الذى أراد المرض اللعين أن يلقى بى فى بطنه، وبدأ قراري بأن أصعد السلم وأن اقاوم ، واستمر فى صعود ...  هو سلم الإنتصار على ذلك المرض حتى النهاية، مهما علت درجات ذلك السلم .
وساصل حتماً  إلى أعلى السلم، وأقف عند نهايته، لأرفع يدى إلى السماء وأتضرع إلى الله وأحمده على الشفاء من هذا المرض اللعين.
وبدأت أتعرف على حجم المرض ومدى إنتشاره بجسدى،  وكنت أظن  أنه بعد خضوعى لجراحة يتم خلالها استئصال ما بعض مانتشر به المرض من جسدى، أن الأمر سينتهي ويبتعد الألم عنى بلا رجعة.
لكننى أدركت أن هذه هى بداية الطريق، الذى كتب لى أن أمشى فيه وحدى، فسلمت أمر نفسي إلى الله فهو أرحم بى من نفسي..
علمت من صديقاتي في المستشفى بأن علاج الكيماوي هو أصعب مرحلة لأن الكيماوي يصاحبه دوار وغثيان وضعف عام وتساقط للشعر..
وكان أكثر ما يؤلمنى حينما اغتسلت ووقع شعرى بين يدى، فقررت التخلص من شعرى كله ،  لكي لا أنتظر سقوطه أمام عينى فى كل يوم.
وبدأت أتقبل المرض، وأدركت أننى لا أستطيع أن أواجه المرض بمفردي، وأننى لا بد أن أواجه وانا محتمية بأفراد عائلتي،  ورحبنا جميعا بالمرض كضيف دخل علينا وتقبلناه بحلوة ومرة حتى ينصرف عنا .
لكننى أعترف لكم بأن هذا المرض، هو من جعلني اكتشف نفسي، و هو من علمنى الإيثار وتذوقت حلاوته، فرحت أؤثر على المرضى من حولي على نفسى، وشغلنى الإعتناء بهم والتخفيف عنهم ومساعدتهم على تقبل المرض،  وحينما كانوا يشاهدونني أبتسم،  كنت اشعر بأن الخوف يتبدل بداخلهم ، وأنهم بداوا يتقبلون  مرضهم بصدر رحب،  وبدئوا صفحة جديدة مع مرضهم ، وهى صفحة  يملؤها الأمل فى الشفاء،  بنفس راضية مطمئنة وقوية ، وقادرة على مقاومة المرض بالعلاج وبقراءة  القرآن الكريم.
وهذه هي الطاقة الإيجابية التي نجحت فى تصديرها لهم .. ولكننى  كنت أخشى من الاندماج معهم،  لأنني أدرك تماماً أننى سأفقدهم وأتألم عند الابتعاد عنهم.
وبدأت أول جرعة من جرعات العلاج الكيماوي، وتجرعت بأوردتي النار التي ذابت بدمائى، وذاب معها جسدى.
صرخت بكلمة " ياالله " وكلما يتباطأ دخول المحلول بجسدى، يذهب الألم ببطء.. وبمرور الوقت اكتشفت أنه كلما تقدمنا فى الجرعات، كلما كان الأمر اشد صعوبة واشد الما، وأنه بعد الجراحة سيكون هناك علاج كيماوي مجددا، وبعده العلاج بالإشعاع الذرى، ثم الأقراص.
وبدأت أشعر أن لحمى ابتعد عن عظامي وأن عظامي تؤلمني ..
دخلت غرفتي وأحسست بحنان وسادتي التي كانت تهدهدني .. لكن بدأ الألم فى معدتي وكأن حجرا ثقيلا ملقى فوقها، وبدأت غشاوة تغطى عينى، وخمول يتملكني أبحث عن المرآة فأجدها قد  أصابها الهزال، حتى أنى لم أعي فيها وجهي  من كثرة شحوبه فقد تغيرت ملامحي، وكاد وجهى الجديد يصعقني،  فألقيت بمرآتي بعيدا، وعدت  أتشبث بأذن الفجر الذي يرفق بى، فأجلس على سجادتي، أرتل كلمات ربى التي أحسست أنها تمنحنى القوة ، وتجعلني أتحمل ويلات فترة العلاج المؤلم، وبفضل من الله عدت كما كنت، وذهب الشحوب عن وجهى.
  وبعد أن تعافيت وانتصرت على مرضى، قررت ان اسخر ما بقى من عمري لكل مريض يحتاج مساعدتى، ويبحث عن يد تحنوا عليه وتأخذ بيده لطريق الأمل.
وتحولت إلى " سمية " جديدة  إكتشفها مرضى،  ودخلت بين القلوب التى إمتلكت قلبى ودخلت فى عالم الخدمة الإجتماعية
وأنا الآن " سمية حماد " اخرى غير التى كانت قبل أن أصاب بهذا المرض ،و أكتشف ذاتى فى عمل الخير ومساعدة كل مريض، وكل محتاج، فحظيت بتقدير ومحبة كبيرة من الكثيرين، واخترت لتولى الكثير من المواقع المتصلة بعمل الخير، حتى اختارتنى أحد المؤسسات فى الولايات المتحدة الأمريكية، كسفيرة للنوايا الحسنة، كما صرت عضوة فى البرلمان النسانى لمدينتى وعضو فى جمعية تحسين الصحة وجمعيات عدة تعمل فى مجال دعم المجتمع.
والآن أبتسم للقدرالذى جعلني انتصر على مرضى، وجلعنى أكتشف " سمية " اخرى بداخلى،  وألقي مافى حقيبتي من بقايا المرض والعلاج ، على قارعة الطريق، وها أنا الآن اكمل طريقي بعد إيمان وجهد ومثابرة، وأكتب اسمي على جدران مدينتى الأقصر الضاربة بجذورها فى أعماق التاريخ الإنسانى للعالم أجمع.