الكاتبة الصحفية: أمنة بلبل - فلسطين - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

نتساءل أحياناً هل علاقاتنا الطيبة ستدوم؟؟ ،سؤال يطاردنا من قسوة الوحدة، برودة العواطف ،تجاه أقرب من عرفنا، مصيرها البقاء أم الفراق ؟ وبعضًا من الأسئلة باستمرار، وشعور اللقاء الفجائي الذي نلمسه في كل علاقاتنا ،
  و الجو الغريب الذي يربكنا بغمور شعور اللهفة و الهيام والشغف ،ليس كل اللقاءات لها نفس المردود الروحي علي الإنسان قد تعصف بكيانك إلي غاية الرهبة .
 سرني كثيرًا ،لقاء صديق لم يكن غير صديق، أعرفه عبر موقع التواصل" الفيس بوك" ، تواعدنا علي إحتساء فنجان قهوة سويًا ذاك الصباح التالي، وأن القهوة ذلك المشروب الآسر لم يترك وإلا وضع بصمته فيه حتي التاريخ ،لا أعرف تفاصيل ذاك اليوم ، لكن التعارف هي رغبة مضينة وملحة تتفوق في بعض الأحيان، علي رغبتنا في الحياة ذاتها، ولكن أعرف بأنه سيكون بإنتظاري وسيأتي بتلك اللحظة المحددة بيننا بالمكان والساعة ، لا أعرف كم سيدوم هذا اللقاء.
 ذاك الصباح التالي وصلت الي المقهي بالوقت المحدد، كان غاصاً بالوجوه ،والمقاعد يشغلها مجموعة من الرواد ،تكشف ملامحهم عن مسحة تعاسة باهتة، كانت نظرات صديقي عالنافذة تترصد قدومي، بدهشة وشك وصلت، إقتربت نحو منضدته،  بلمحات خاطفة علي وجهه، وملأت الدهشة ملامحي ، تأملته طويلاً تسللت نظراتي عليه، كان أشبه بالحلم العابر ،ورائحة القهوة، تملأ المكان من الداخل .
كان صديقي صباحه رماديٌ جميل ،تغرق فيه شمسه المنطفئة ، فعلاً صديق، قول وفعل ، و إن وعد وفى، والأجمل أنه دقيق المواعيد، وأيضاً دقيق في إختيار كلماته الثقلي من اللغة الفصحي، وهو قليلاً ما يتحدث، يصمت طويًلا ويهمس علي إستيحاء ولكن عندما يتحدث بإيجاز في الصميم ، بأدائه الشجي وحتي أكون مُنصفة ، كان يجلسُ إلي جانبه رفقاء دربه فنجان قهوة بحب الأمل وعلبة سجائره .
كان الدفئ يشيع البهجة بالمكان، وهدوء مثير في الوجوه العديدة والحركة الهادئة وأحاديث الهمس، تلك الرهبة لم تخفي سعادتي راحت تعبر بالكلمات الخجلي ،وحديث مطول عن حياتنا الخاصة ،وصوت الموسيقي المتسلل في صدر القاعة التي تحيط بنا ، أشرنا سويًا الي الجارسون لطلب فنجانين من القهوة قاطعني كيف وجدتي ملامحي ترددت بالرد وإمتنعت ، سرت مستغرقة  بخيالي بوجوده صديق الأبدي للحياة.
المتعة هنا شيئان قهوة سآخنة، وصديق صباحه رقيق عفوي
وأشبع حاجتي إلي الإنطلاق والتعرف علي ملامح الحياة
لم يترك في نفسي سوي أثر الصداقة العابرة لأول شاب ألتقي به وأخرج معه، كان مستعدًا أن يحكي كل شئ يتعلق بحياته الخاصة والعامة وعن تفاصيل أكثر وأكثر وأنا أتحاشي أن يسألني عن تفاصيلي.
بدأت لحظات اللقاء سارة، تبشر بأمل كبير ،في طرح قرار صداقتي أمامه، ليكون مسعفًا دومًا ،وحلاً وشيكًا لمشاكلي الصغيرة، ولكن الغموض الذي يلف حياة كل واحد منا، يعطيه نصف الأمل، بحل قريب لمشاكله تلك، ليس كل الأمل بالطبع لان أي شئ في المستقبل، يبقي دومًا مجرد إحتمال غامض، قد يقع وقد لا يقع، لتكون علاقتنا قوية تحولت إلي ملء خانات فارغة.
حوارنا يستكمل بالهمس وإثارة الهدوء بين جموع الحاضرين
 وما بين تدرجات دروب الحياة، وتعرجات الأفكار والأسئلة بداخل صديقي قال لي :هل دوومًا تجلسين بهذا المكان ، كان للمكان سحر وجداني وحدثني عن تلك الوحدة الصارمة، أنها نجاة من نفاق وأحاديث الناس ومن الممكن أن تعزلي نفسك عن الآخرين، كانت عيناه تكشف عن ذكاء بقدر ما فيها من جمال.
  في ود شديد إختلط بينا بالترحيب، لم يبدو لي غريبا أنني اخطأت في جلستي معه،حياته مليئة بنفس اهتماماتي الموسيقي، القراءة وتأمل الآخرين وقراءة ملامحهم وسار بخاطري بعيدًا عن عبارات المجاملة بلقاء تاني، لم يكن صديقي مخطط يقضي وقتا طويلًا في هذا المكان ، فرغنا من إحتساء القهوة ، وحانت ساعة المغادرة ، مدركة أن الكل يسلم روحه بدون إذن من أحد .
  كأنما مرور الوقت كان يسرق ذاكرتي بكل التفاصيل في حينها ،إنها لحظة ترسم أحداثها في لوحة ربيع العمر، تفرح القلوب، لحظة فيها من الوفاء ما يروي الأحاسيس. تتناثر فيها أجمل الكلمات وأرق التراحيب.
ما يحصل بعد مقابلة آخري سرعان ما يتذمر كل منا ويترك إشباع لهاجس الرحيل، الذي امتلأت جدران ذاته ، تلك العواطف التي تأكل أعمارنا ربما نصنع سعادات مؤقتة ولكنها ليست كافية للتغلب علي وضع الحياة ، أننا وصلنا لهدفنا المنشود مع شخص أبدي ، علاقات غير دائمة بالمنتصف يرحلون ويعبثون ويبحثون عن طرف آخر.
ولكن الرحيل بين الصداقات، سبباً دائما لم يقتنع به وسعي إلي إعاقته طويلاً، ولكن ربما ظروف حياتنا الصعبة وقسوة الفقر ،تدفعنا دائما إلي أن نفعل ما لا نرغبه و في النهاية مضطرين علي سفرنا مجيئنا إلي هنا ولكن بالضرورة سنعود في نفس اللحظة التي نشعر فيها بالحنين اليهم،أو تمزقها القطيعة لفترات تطول أو تقصر  ولكنا كدنا أن نعود إلي صداقتنا القديمة أكثر وعيًا بعجزنا عن الفراق أو الفجوة.
نحن في عالم مغلق لا يحتويك ورأسك مشحوف بمخاوف المجهول ، لا سعادة غامرة تسري في كياننا ، بتعميق الألفة بينا.
وأينَ مَحطّاتنا القادِمة، يكون لنا لقاء وتواصل بعد الطواف
كبرنا ما عاد متسع للخيال ، إنتقاء صداقة واحدة  تغربل  محتواها لتكون فسحة النهار ،و محطة راحة نستريح بها ليلاً، نخاصم بها الوداعات واللقاءات .
ولكن كتابة الرسائل والتواصل قد تخفف قليلًا من الشعور بالملل وتشبع الحنين وتحافظ علي عهد قطعنا علي أنفسنا بالمضي معًا، ولكن الصورة الممزقة للنماذج المحيطة داخل مسكن عباءة الصداقة، تعليق عابر عنها لا تشغلهم مشاكل الحياة ، بقدر إنشغالهم بمشاكلهم الخاصة و إستحضارهم في نفس اللحظة التي نشعر بالحنين اليهم .
أنا واثقة تمام الوثوق ،ليس لدينا رصيد من الصداقات في الحياة، لا أدري في الواقع أن الشكل الخارجي يعطي الإنطباع بأنه سوف نفارق عما قريب يخفيها الوقت ومن ثم يظهرها بسرعة.
الواقع يجعلنا نغلب في كل مستقبل، الإحتمال الذي نسكن له حتي في مستقبل حياتنا نفسها نطمئن إلي أنها تنتهي هنا علي الأقل بل إن بعض تصرفاتنا يعطي الإنطباع بأننا سنستمر في الحياة الي الأبد ،مع أن كلا منا متأكد من احتمال النهاية هذا وارد بقوة.
أحن لذاك المكان ،والوجه الصباحي الهادئ وفنجان القهوة أزداد شغفًا لمعرفة المزيد وتساءلت عن جدوى الرهبة للحنين.
 أين ستمضي بنا الحياة؟؟ بتحدياتها من جديد ،فالولادة في أي علاقة صداقة، تعطي مفهوم النور المتجدد الطاقة بالشروق ويبقى الظل ملهاة لأصحاب من يبادر بالتواصل و نبقي علي رابطة واهية تدفعنا إلي اللقاء بين الحين والآخر علي فترات متباعدة لا تفصل أسبابه ، بقدر ذهولنا من النهايات.