الكاتبة الصحفية: أمنة بلبل - فلسطين - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

يقولُ رَجل عربي:
بلغتُ السّن القانونِي للتُقاعد.
تجّربة مريرة قطُعت بهَا تلَك الفّترة ، بغياب العمل هو غياب معنى الحياة ،مع خليط من المرارة تملُأ حلقي ، عواملُ تكيَف مستُحيلة،  كدُت أشعرُ بالضياع والإكتفاء من التجربة ، وأصبحَت حالتي تسُوء شيئاً فشيئاً ، ذهبتُ إلي أكثر من طبيب ، لم يتحسن الحالّ علي الإطلاقَِ ، وبعد فّترة طوَيلة
  إقِترح علي صديق، زيارة طبيب نفسي، ذهبُت إليه ، ثم بدأ العلاج بالأسئلة ،في ساعات قصيرة من المتعة وثرثرات فارَغة، نعيدُ بَناء جُسور حطمتها جفَوة سنوات، وظُلمة بأس الحاَضر وستائر العتمَة المُسدلة علي مسّتقبل بلا ملامحِ .
 ثم بدأنا نتلقى علاجاً يتلوُه علاج، حتى دخلَت أحد الأيام شعُور المتُقاعد بتناقُص، أنتظر نتَائج الشفاء من حالتي ، فإذ بالطبيب يخُبرني و يبَشرني أنّ حالتِك النفَسية تعُاني من "مرض الحنين"، وعندها تضطربُ النفَس، ويقلُّ الاتزان، وهذا مما يفسِّر بعض حالات الكآبة والعلل النفسية الأخرى والأمَراض "النفس – جسمية"، والتي تُصيب كثيرًا من المتقاعدين.
لا شي يقطع المَلل ، ما تُسميه "مرض الحنين" ، ليّس سوي الإخفاق في الإنطلاق ، والبحثُ عن شي جديد ،تُغير به بئر الركود في حياتكِ، والإستغراق في مُتعة ما وبالطبع ليس لديك أصدقاء والرّغبة في العثور علي شَخص تُحدثه بعد أن تبٌددت أحلاَمك ورغباتك.
الهروبَ من مسَحة الركود ،داخل المنزل، وإن شعرت نفُسك بحاجة إلي أن تفضي بما امتلأ به صدرك ، ولكن بعض مشاعر الكآبة تقتحمك بين الحَين والآخر ، ولا تعرف لها سبباً، ربما مشاعر التفكير الدائم،  فيمن خلفُته وراءه قبيل الرّحيل من العمل ، قلقُ مجهوُل المصيَر.
 أيقظتُ إعتّرافات بتجربة عُشتها، من قِبل مع رجل متقاعد إختلطّت ضربات قلَبه ويديِه وقدميَه ،بقُبلة وداع طبعتها علي وجهه ،لطرد خواطر الخوفِ، كنتُ أبعثُ بداخلهِ مجيئ المُساء القادّم، ولم تستمر طويلاً، كان يتحدثُ معي عن الإكتئاَب وحنينه لذكرياِت العمّل ، حين قرر الرحّيل عن مَسكنُه والبحُث عن عمل آخر، وإكتشُفت أني أقيم بمجتِمع يطرقُ بأبوابه شحن الكآبة .
مصاعُب في الآونَة الأخيَرة، تركت لي مهمة الحصول علي إذن الخروج ،من ظُلمتي، التي واجهتُ بسببها متاعب التعامل مع المحيطين ، أنهض متثاقلاً أحمل قدماي كأني جزء لا يتجزأ من سنواتُ العمر الآخيرة ، متوهماً من ثم إعداد قائمة خيالية دقيقة، لمن سيتم إنجازُه بالغِد الباكر  ولقاءاتي وبضعة من أوراق وقعتها وتركتُها علي المكتب .
حاولتُ الإنشغال و بالبحثِ عن جدوي جديّدة ، ولكن كانت عيناي غائمتان، حلقتُهما حالات السّواد ُتلقي ملامحيِ الجامدَة ،التي أسقطت حواجز سماع أصبحتُ "متقاعد" أخفقتُ بها أحداثِ وأمّسيات، بإنتهِاء طلَقة منْ صدري  بأنفاَس طويلة.
ليس في خروجي ما يضايقُني، فذلك أمر يعنيني وحدي
 فحياُتك الخاَصة ملُك لك ولا يستطيع أي أحد آخر داخل المنزل أن يفرض عليك سلوك علاقات لا تقبلها .
داخل منزلي ،إنتابني شعور بتعاطف خاصُ معي وتمنيُت كلمة تخفُق بالروح عزيمة وليس هزيمة وهي " أن تمكث معنا أطول فترات ممكنة في مملكتك العملية ، ونستعين بمساعدتك في المكتب خلال الطوارئ، بجانب رعايتك .
فَي ليلةُ ، إنتابني خوُف مفاجئ من إحَتمال فُقدان العَمل  ، ومسحَة الإستقرار ، التي كادت تتمرد عليا خلال توقيع إنهاء إجراءات الُتقاعد ، كانت ليَلة سوداء مؤُسفة لحَالي الهزيل  وسرَعة القدر وسنواته في تعجيلها ،وإصطحابها وإدخالها لتوقيع قلم الزمن أنهيت خدماتك .
إنفجرت أساريري أن تهبط منذ الصباح، إلي مكتب هيئة المتقاعدين ،لإجراء معاملة التقاعد ،كان قرار نقلة حاسمة
بأبعاد موجات المجهول، الذي لم يدُرك خطورُته مبكراً أثناء سعيه في البحث عن الذات .
لا يحضر لقلبي الإطمئنان، علي معرض التقاعد ، وإزداد شعوري بالرغبة في الإستقلال ، مزيداً، لكرهي للقلم الذي أطلق رصاصة الرحمة و شهد علي توقيع نهاية خدمتي.
أنا شخصية آثيرة، ومسيطرة، شديُدة المراَس، وكتلة من النشّاط،  ولكن تجربُتي الفاشلة في تقاعدي وحياتي الهامشية ،أكد لي خطأ ما أعتقده أحيانًا في اللهاث خلف عادات وقتية ،ما تلبث أن تخلف بين أيدينا مالا نستطيع تجاهله ، أن دوُري في الحّياة ولَّى وإنتهى، معاناة من ذلك   لم أكن مستعداً نفسياً، للمرحِلة الجديدة والمقبلة
ولم أتوقع أو أتصور في يوم من الأيام التخلي عن منصبي وظيفتي وكرسي.
متمنياً كنُت ما ينتظرني فتّح آفاق جديدة تتُيح لي فرص إكتساب خبرة ومهارة ،قد لا تتوفر، لها قيمة فيما لو طرقت أبواَب العمل في قلب المدينة أو مبتعداً عن مدينتي بأني  مُتقاعد طازج .
  ويصعب بيننا أن نحاول الإفلاتِ من أسّر الماضي ، وعلاقات الحاضر المشوهة، صدقاً كم أشعر بالتعاسة رغم بارقة الأمل الوحيدة في حياتي  .
رغم ذلك يذكرنُي بكِل ما إرتكبُته من آثام ، برسم خطوط سير الزمن ، تصُرخ وتضَحك وتهدأ ،وأخيراً عندما تنتهي قافلة السن ، تجلس مرتطماً في مقعد ومنضدة تلتُفظ أنفاّسك ، تتناول فنجان شاي، وتدخن بشراهة .
ينتصف النَهار والأياُم تخفي، إجاباتها المقتضبة، تقُطع إنِدفاع المشّاعر ، تعتذرُ بضيق الوَقت ، ولكن يزداد الإلحاح ، بتواصل السَير ، التحاق بعُمل آخر ،و كذا الّحال لمعنى حياتكُ بعد التقاعُد، فلن تعُرفه وتُذوق طعَم حلاُوته.
كنُت بالفعِل تنقلتُ لعمل آخر ، تشجيعي علي البحث عن عمُل آخر ، للإنطَلاق من عنقة التفكير ، وزحام الأحاديث والفّجوة ،لكن الرُد المباشّر ومعاناة اتخاذ القرار بل لعلها أصُعب، أنك عربي لاتقُدر لحظاُت ميلادِك الجديد، أثق في قُدرتي علي صنعه، أينما ذهبت ولكن رّحلة إغتراب نهايتها تجّربة الحنيِن لم أشهدُها أو تطويِني أيامها بعد اختزان  سطور بفوز مباراة التُقاعد .
عنَدما أصَبحا، في سن التُقاعد الملعون ،توقف أمامك الأبواب ،حديدية ضخمة ، تدُعوها لإختراق طُرقات السنوات الهاّدئة، تقُطع طريِق العودة ، لكن مصابة برجفة خفيفة، تتساءل عن تلك البقْعة ،وإثارة الهدوء فيها ، وملاحظة وجه حارسها المغضن ، قبل أْن تَستكمل حوارهُا همس السنُوات الأخّيرة.
 مدينة الصمت، سّن التقاعد، عيناها تخطئ وهما يقتِربان معاً، من أحد طرقاتها الداخلية ، الّصلبة الحيّوية ، شواهد القبور ، إحتوتها مشاعر الخوف، دعنا نخرج من هنا سريعاً فكم تجتاحني ،هواجس غامضة، أكاد معها أفقد القدرة، علي السير ،وألقي بمتاعب الوارقة ،تعويضًا برغبتي الدائمة بالعمل ،وبعد أن تحولت حياتي علي إتساعها إلي سجن كبير، تقطعت فيه أواصُر ،صلتيِ بالأهل والاصّدقاء ،أخشي الإتصِال بالآَخرين ،لصُعوبة فهّم ما يتّحدثون عنه  .
بالَنهاية بدأت بترِتيب إجراَءات منحِي تأشيّرة دخُول  المتقُاعدين، لا ننجّو من مصطْلحات أغابت عنا روح دفئ الأّمل ، أسُقطت معّالم سن اليّأس بداَخلنا.