نزار عبدالغفار السامرائي - " وكالة أخبار المرأة "

تشكل الشخصية أحد العناصر الأساسية لكل عمل روائي إضافة إلى الحدث، والزمان والمكان. ومهما كانت الشخصية الروائية قريبة من الواقع إلا أنها تبقى "كائن ورقي" تؤدي بعض الوظائف الأساسية والثانوية حسبما يتطلب مسار السرد. وتتحدد هذه الوظائف على وفق ما ذهب إليه غريماس في مستويين أساسيين لتقديم الشخصيات في النص، فكلّ شخصية من شخصيات الحدث تُقدَم في النص الصحفي في إطار:
•    دور حدثي ويعني دور الشخصية في إطار الحدث.
•    دور معنوي : ويعني دور الشخصية على مستوى بناء المعنى العام المجرد المراد توصيله.
ويمكن تحديد كل شخصية من الشخصيات التي ترد في النص الروائي بعيدا عن الوصف التي ترد به، بحسب ما تفعل، لذلك أطلق عليها غريماس اسم (فواعل). بعدما أعاد تنظيم الأدوار النمطية التي وضعها بروب ليقدم النموذج العاملي بوضع (العامل) الذي يمكن أن يحتل أوضاعاً معينة عديدة أو أدوارا عاملية في المسار السردي، مع توضيح أن عدة ممثلين يمكنهم أن يؤدوا دور عامل واحد، وعوامل عدة يمكن أن يؤدوا دور الممثل نفسه ممّا يجعل النموذج العملي يمثل بنية العلاقات القائمة بين العوامل، وكما يوضح غريماس فأنه يمكن إدراك دلالة السرد عبر هذه البنية.
عبر هذا المجال يمكننا أن نتتبع شخصية المرأة في رواية "للشمس وجه آخر" وفق الأفعال التي تؤديها الشخصيات النسوية التي ترد ضمن مسار السرد مؤدية دورا معنويا، لكنه مؤثر في سيرورة الأحداث التي تنبني عليها الرواية.
ينبني الحدث الروائي على الشاب (وسام يوسف) الذي ينشأ في مدينة باريس الفرنسية، غير أنه يضطر للعودة إلى العراق، محافظة ميسان بالذات، ليكون بالصدفة شاهدا على حادث يؤدي بحياة مسؤول كبير في الحزب الحاكم، ما يضعه في دائرة الاتهام، ومن ثم محاولة إلصاق التهمة به من ضابط التحقيق الواقع تحت ضغط أوامر الجهات العليا التي ترغب بإغلاق ملف قتل المسؤول بأسرع وقت بإعلان القبض على الفاعل، ولما كان الفاعل مجهولا تم إلصاق التهمة بالشاب (وسام) الذي لا يجد ما يدافع به عن نفسه وسط نظام فاسد، لا يأبه للجانب الإنساني بشيء.
وهكذا فإن أحداث الرواية تسير داخل زنزانة في سجن التسفيرات، لتتعاقب الشخصيات بالظهور، معلنة عن نفسها عبر حكايات تروي أسباب وصولهم إلى هذا المكان الذي يفتقد لكل ما يمت للإنسانية بصلة، بغض النظر عن نوع الجرائم أو التهم الموجهة للأشخاص المحتجزين.
ولكن أين المرأة من كلّ هذا؟!
المسار السردي للرواية رجولي بكل تفرعاته، غير أن هذا لا يمنع من أن يكون ظهور المرأة القليل في أحداث الرواية مؤثرا في الأحداث، ما يجعلها ظلا تشعره يقف وراء كلّ حدث تتناوله الرواية، فهي كما يرد على لسان أحد السجناء "سبب كلّ بلاء يصيبنا! منذ سيدنا آدم إلى يومنا هذا.. كلنا هنا بسببها" (ص71). وإذ يستعير الكاتب هنا القصة التوراتية بشأن هبوط آدم من الجنة بعدما أغوته حواء بالأكل من ثمار الشجرة المحرّمة عليهما، فأنه يضفي استمرارية على هذا الفعل محملا إياها جميع خطايا البشرية. ويبقى مصرا على رأيه بأن "المرأة هي وراء كلّ عذاباتنا" داعيا إلى أن التفتيش جيدا "سترى خلف الستار، ظلّ امرأة قادك إلى هنا (السجن)".
ظلّ الأم
المرأة الأولى التي تقف خلف الحدث الذي تنبني عليه الرواية هي الأم .. فالأم هي من يلح على ابنها للعودة إلى العراق، بعدما عادت هي والأب في وقت سابق، وتركت ابنها الذي تذرع بإكمال دراسته الجامعية، ولما أنهى هذه الدراسة لم تجد أمه سببا لبقائه وحيدا في بلاد الغربة لذلك طلبت منه العودة بإلحاح، وما زاد في موقف الأم سوءا هو طلبها من الابن الاستجابة لدعوة ابن عمه والذهاب إلى مدينة "المشرح" لحضور حفل زفاف، وبالتالي تكون هيأت للحدث الرئيس المتمثل بوقوف الابن على حادث اغتيال المسؤول الحزبي مرتين، الأولى بطلب عودته إلى العراق، والثانية بطلبها أن يذهب إلى حفل ابن عمه. ولكن وسام لم يجرؤ على تصور أن تكون أمه هي سبب محنته ملقيا بتبعة ما يحدث إلى المصادفة أو الحظ، أو حتى قاسم ابن عمه "ولكن أمه! كلا وألف كلا" (ص78).
والأم هنا تبقى داخل دلالتها المعجمية دون أي رمزية ظاهرة، قد نحسبها أرض الوطن الذي يشعر المغترب بالحنين لها، ولكن لم يقدمها الكاتب بغير الأساس المعجمي الذي تمثله، الأم التي تريد أن يكون ابنها بالقرب منها، فالابن المغترب هنا لا يشعر بالحنين للعودة بل هو غير راغب ويعمل لغرض التسجيل لدراسة الماجستير في سبيل البقاء في باريس بالقرب من (نيكول) حبيبته اللاتينية! التي تشكل المرأة الاخرى ذات الأثر في الأحداث.
ظلّ الحبيبة (أ)
نيكول لم تكن فتاة عابرة في حياة وسام، ورغم أن علاقته معها خارج إطار الزوجية، إلا أنها تتميز بالثقة والتماسك لتكون المرأة الوحيدة في حياته، والتي جعلته مستعدا للبقاء في الغربة معها إلى الأبد، بعيدا عن أهله وبلده، ولولا إصرار أمه على عودته واشتياقها له لما عاد إلى العراق أبدا، وحتى عودته خطط لها أن تكون مؤقته، يطفيء شوق أمه ويعود سريعا إلى حبيبته، وبذلك فأنه استبدل بلده بحياة الغربة، أي أنه شعر بنفسه القدرة على أن يكون بعيدا عن أمه لكن غير مستعد لفراق حبيبته.
ويمكننا هنا أن نتلمس دلالة الرغبة بالهجرة والغربة عن البلد الذي ما عاد يشعر أبناؤه بالرغبة في استمرار أواصر العلاقة الحميمة معه، فكان الاستعداد للبحث عن علاقة بديلة في مكان آخر وهو ما تحقق لوسام، عبر صديقه الفلسطيني (الفرنسي الولادة والمنشأ) الذي يعرفه بنيكول ليرتبط بها بشكل حميم.
نيكول هي الأخرى لا تنتمي للبلد الذي يلتقيان به ويقرران العيش فيه، فهي فتاة لاتينية تعيش مع عائلتها في باريس، أبوها كان "معارض يساري هرب من تشيلي بعد الانقلاب العسكري الذي دبرته المخابرات الأميركية ضد سلفادور اليندي عام 1973" (ص32). وهنا يمكن أن نتحسس العلاقة الرمزية التي جمعت نيكول التي هربت مع عائلتها من بلدهم، ووسام المغترب مع عائلته (وصل باريس لعمل والده معلما في المدرسة العراقية هناك) مع خالد الشاب الفلسطيني الذي ولد ونشأ بعيدا عن بلده. فكلهم غرباء عن البلد الذي يقيمون فيه، ولكنهم يفضلون العيش فيه على أن يكونوا في بلدانهم الأصلية.
وبهذا الشكل فإن رغبة وسام بالتخلص من محنة السجن وإنقاذ نفسه من التهمة التي أُلبست به، ترتبط بشكل رئيس بالعودة إلى نيكول، التي تصبح حاملا بطفلهما الأول. فكان أول ما فعله حين تمكن من الهرب والوصول إلى إيران الاتصال بها والطلب منها أن توافيه إلى البلد الجديد الذي لا يمكنه الخروج منه بعدما أضاع جوازه وتأشيرة الإقامة في فرنسا أثناء الهرب.  
من هنا نستطيع أن نحدد تأثير المرأة بدوريها الأم/ الحبيبة على بطل الرواية، حيث تتجاذبانه بينهما. وإذا ذهبنا إلى عوامل غريماس فإننا يمكن أن نضعهما مقابل بعضهما البعض ضمن محور الصراع إذا ما وصفنا الثنائيات العاملية في هذا الجانب من الرواية بالآتي:
محور الرغبة ويمثلها عاملي الذات والموضوع، وهنا يتمثل الذات بوسام والموضوع هو العودة إلى باريس، ويمكن تلمس هذه الرغبة بوضوح في صورة الغلاف التي تمثل شخصا واقفا يتأمل برج إيفل من خلف قضبان السجن.
محور التواصل ويمثلها عاملي المرسل والمرسل إليه، وهنا المرسل يتمثل بالحرية التي يسعى إليها وسام فيما يكون المرسل إليه السجناء.
أما محور الصراع والذي يتمثل بالعامل المساند والعامل المعيق فتكون الأم إلى جانب النظام، والسجن، وهم العوامل التي تعيق (الذات) من العودة إلى باريس أو بقائه هناك بالقرب من حبيبته، فيما يتمثل العامل المساعد بنيكول وتأثيرها المعنوي، إلى جانب السجناء الذي يساعدونه على الفرار، وابن عمه، والدليل الذي يعبر بهما إلى الأهوار.
ووجود الأم كعائق هنا لا يتعلق بعلاقتها به وحبها له، فولاؤه مطلق لها كما يصرح، ولكنه يقر بأن والدته "هي الإنسانة الوحيدة التي تستطيع أن تبعدني عن نيكول" (ص102). وبذلك فأنها يمكن أن تكون الشخص الوحيد الذي يحيل بينه وبين العودة إلى باريس دون أن يستطيع مقاومته أو تجاوزه.
ظلّ الحبيبة (ب)
رغم أن مسار السرد يتركز على شخصية وسام وما يرتبط بها من تفرعات، إلا أنه يتفرع هنا وهناك ليستعرض ما يخص السجناء الآخرين، ولاسيما ما يتعلق بالمرأة التي تكون دائما حاضرة في القضايا التي تلقي بهم إلى آتون المعتقل.
وهنا يمكننا تلمس شخصية (حنان) الفتاة الريفية التي تكسر التقاليد وتستمر في دراستها، لتقع في حب جارهم وصديق أخيها عبدالله، ولكن هذا الحب يتسبب في قتل أخيها مهدي على يد حبيبها، بعدما شاهدهما معا متعانقين فحاول إطلاق النار عليهما لكن عبدالله كان أسرع وقتله.
يأخذ الكاتب من حنان صورة مغايرة للفتيات في الريف اللاتي يتركن الدراسة عند المرحلة الابتدائية "عندما تظهر على إجسادهن باكورة النضج الجنسي...عندما تبدأ نهودهن بالارتفاع. ثم لا يمر كثير من الوقت حتى يزوجن" (ص72). وكأن مواصلة حنان للدراسة كانت السبيل لعلاقتها مع عبدالله الذي يرافقها طريق الوصول إلى المدرسة الثانوية، وبالتالي فأن هذه العلاقة التي تمر بمنعرج يرتبط بالتصادم مع النظام والهروب من وجه السلطة للثنائي عبدالله ومهدي، تنتهي بفاجعة.
والحبيبة بصورة حنان تختلف عن تلك المتمثلة بصورة نيكول، باختلاف طبيعة المجتمع والعادات والتقاليد، ولاسيما بين باريس المدينة المنفتحة على كلّ شيء، وبين الريف العراقي المنغلق على نفسه.
ظلّ العشيقة
كما نلمس شخصية مغايرة للمرأة تتمثل بـ (وجدان)، الفتاة التي ترتبط بعلاقة محرمة مع السجين (باسم) صاحب محل الملابس النسائية اللعوب الذي يعترف بأنه يلف حباله حول الفتاة التي يريد حتى ينال رغبته منها، ولكن في النهاية يختزل علاقاته كلها بوجدان الفتاة المتحررة التي تشعر بالرغبة تستعر داخلها بعدما فقدت عذريتها على يد خطيبها الذي شارك في الانتفاضة عام 1991 وهرب إلى إيران ثم حاول الوصول إلى استراليا ليغرق في البحر تاركا خلفه خطيبته التي "أضحت فرصة أن يتقدم إليها عريس شبه معدومة". لكنها "أدمنت مع خطيبها شيئا لم تستطع الإقلاع عنه" (ص112)، وبذلك كانت الفرصة لأن تستمر العلاقة بينها وبين باسم حتى يضبطهما قريب لها يعمل ضابط في الشرطة فيلفق له تهمة اقتصادية يمكن أن تلقي به في السجن طويلا.
ورؤية باسم للمرأة لا يختلف عن الصورة التي تقدمها الرواية والتي تجعل منها مرتبطة بالعلاقة الجنسية، بغض النظر عن طبيعة تلك العلاقة سواء أكانت جسدية أم روحية.
ويوضح باسم ذلك في حوار وسام بالقول "في مجتمعنا يفصلك عن الجنس الآخر حاجزان، الأول هم الحاجز المكاني، فلا يمكنك العثور على مكان لتختلي به مع فتاة إلا بصورة نادرة. حتى مع خطيبتك التي ستصبح لاحقا زوجتك، ستجد أهلها يحيطون بك، ولن يدعوك وشأنك" (ص104). أما الحاجز الثاني فيتمثل بالحاجز النفسي "فالفتيات يزرقن بحقن تنفذ إلى المخ مباشرة بمفاهيم الحرام، والعيب، والسمعة، والحياء، والشرف، ولا يصح، ولا يجوز، وغيرها من الأمور التي تكبل الفتيات فيتغلب التطبع على الطبع، فالإناث في طبعهن كالذكور ينجذبن إلى الجنس الآخر، وما عليك سوى كسر ذلك الحاحز" (ص105).
وكأن الطابع الأخلاقي الذي يعمل المجتمع على تطبيع أبنائه وفقه يخص الفتيات، وأن الاولاد لا يلقنون ذات المفاهيم منذ الصغر، وفيهم من يلتزم بها ويجعلها مبدءا يعيش وفقه، ومنهم من يكسر التابو ليعيش حياته كما يريد مثلما هو الحال مع وسام الذي لا ينفك بلف حبال رغبته لاصطياد الفتيات المترددات على محله.
ظلّ الغانية
لا يظهر هذا الظلّ إلا بصورة عابرة، لا يتعمق الكاتب في رسمها إذ يجعل الاهتمام بردة فعل وسام الذي وقف مشدوها أمام جسدها العاري، قبل أن يدير ظهره ويخرج من الغرفة في ستوديو التصوير العائد إلى ابن عمه.
لم يتناول الكاتب هذه الفتاة إلا من حيث الشكل "طرحت عباءتها لتكشف له عن جسد عار تماما.. بشرة بيضاء ناعمة ونهدين نافرين صغيرين.. ووجه يتفجر جمالا وأنوثة، رغم ذلك الكم الكبير من مساحيق التجميل الذي استخدمته بشكل مبتذل" (ص65). وكأننا هنا أمام ظلّ عابر لا يستحق الاهتمام بالتفاصيل إذ أنها تبيع المتعة مقابل دنانير معدودة لذلك ما يهم قاسم ابن عم وسام بشأنها هو عدم تبديد المال الذي دفعه لها دونما مقابل، فيقضي وطره منها، ليترك سعد ومفوض ياسين يتناوبان على استباحة جسدها، قبل أن يختفي ظلها تماما. 
في النهاية
رغم أن ظلّ المرأة يلازم كل شخص في الرواية إلا أنها لم تعط تلك المساحة خارج نطاق المسار السردي الذي يأتي على ذكرها عرضا عبر الساردين الذين يستعرضون الأسباب وراء وصولهم إلى هذا المكان. حيث يسير ظلّ المرأة مع سطوة النظام في خطين متوازيين، يلتقيان في الوصول إلى زنزانة السجن.
وبناء الخطاب السردي يبقى على تماس بالسطح دون الغور في أعماق الشخصيات التي تعيش دورين متصلين أحدهما اجتماعي، ويتمثل بالعلاقات التي تربط الشخصيات بما يحيط بها من شخوص وتقاليد وأعراف وكلّ ما يتعلق بالحياة الاجتماعية. والآخر سياسي يتمثل بالموقف من النظام ومواجهة السلطة ورفضها، رغم تعدد الأسباب بشأن هذا الأمر.
لقد قدم تحسين علي كريدي رواية متعددة الحكايات، ورغم ذلك يبقى ممسكا بالمسار السردي الذي يتوقف عند وصول وسام إلى إيران منتظرا التحاق حبيبته به، وهو بذلك يحقق رغبته بأن تكون نيكول قربه، لكنه في الوقت نفسه يبقى بعيدا عن باريس الهدف الذي يسعى اليه.