نادية حرحش - فلسطين - " وكالة أخبار المرأة "

قبل أيام، تم الإعلان عن تعديل في القانون يرفع فيه سن الزواج ل 18 سنة، بينما شهد العام 2019 حتى اللحظة ما يزيد عن عشرين جريمة قتل نساء، في وقت انضمت فيه فلسطين إلى اتفاقية سيداو منذ أكثر من خمس سنوات، دراسات وابحاث وتحليلات، تدهور ملحوظ لا يمكن التغاضي عنه.
تلزم اتفاقية سيداو الدول الموقعة، على ادماج الاتفاقية في أنظمتها القانونية المحلية من حقوق انسانية متعلقة بالمرأة، أهمها حماية حق المرأة في الحياة.
ثلاثون عاما من دولة او سلطة تعمل تحت مبدأ سيادة القانون، ووضع المرأة في تدهور على كافة الأصعدة، لا تملك المرأة فيه حتى قانونا يحميها من كل المؤثرات المتراكمة من مخلفات مجتمع ابوي منفصل في كل شيء الا في مبدأ ابوية المجتمع، فالمتخاصمون والمتقاتلون والمختلفون يتفقون على لحمة ابوية هذه التركيبة.
كيف يمكن لدولة ان توفر الحماية القانونية للمرأة في وقت تتربص فيها النصوص القانونية التي تجعل من قتل المرأة مشمولا بالأعذار المبيحة والمخففة، مما يجعل المرأة عرضة للقتل تحت ولأي سبب يقرره الرجل واي رجل.
قبل عدة أسابيع، وعلى خلفية أحد المقالات التي كتبتها، تعرضت لاعتداء علني من قبل أحد العاملين الرسميين بمؤسسة سيادية في القدس، مؤسسة ترعى الوجود وتضبط الشرعية وتطلق الفتاوي.
في مشهد لا يزال يدك مضاجع تفكيري، يجعلني كسائر افراد جنسي من نساء، معرضة للفناء بلحظة، لحظة واحدة تكفي لتلغيني، تهددني، تتركني فريسة للفناء ينتهي الفاعل الى بعض التوبيخ في أحسن الأحوال، بينما يتهامس المجتمع بالسر او بالعلن على احقية تصرفه. الأحقية هنا لا تحتاج الى شرعنة، فهي ممنوحة له لمجرد كونه رجلا...ذكرا...
بشكل عام، لا أحب ديباجات الجنادرية في تفكيري، وقد يكون ما يحدث يؤكد عدم شغفي بدراسات النوع الاجتماعي. لا نزال نستجدي حقوقا تكفل لنا ان نعيش.
بين نظام ابوي مستحكم ونظام عشائري ممتد كمحصلة، تبقى حياة الانثى في المجتمع أسيرة بقبضة رجل ما، عليه حمايتها وحفظها وصونها، او قتلها. هذا الرجل يبدأ من الاب والاخ والزوج والعم، وقد ينتهي الى بلطجي عابر مقبرة او طريق، يقرر ان لا حق لهذه الانثى في الوجود.
تشويه شكل المرأة يبدأ بالإهانة وينتهي بالتهديد. تهديد قد يؤدي تلقائيا الى القتل.
والحل؟
الحل طبعا ان تخرس هذه المرأة وتتستر على فضيحتها التي شهرت بها وسحب فرامل حياتها قبل ان تؤدي جرأتها الى نهايتها المدوية.
مر التسجيل الذي نشره الرجل الذي اعتدى علي في مقبرة باب الرحمة، وبعد ذلك نشري للفيديو لأحمي نفسي ربما من سخرية التشهير او التعرض لمحاولة قتل من عابر سبيل، بنهاية الامر فإن ذلك الكائن تعدى علي بينما كنت في زيارة رسمية مع مسؤول الأوقاف الإسلامية في تلك اللحظة.
كم مستباحة حياة الانثى؟
كم سهل التشهير والسب والقذف؟
كم تتردد هذه المشاهد، وانا المرأة القوية التي ينظر الي المحيطون وكأني حاملة على جمر مشاكل الوطن الاجتماعية ومدافعة نهمة عنها!!!!! فما الذي يمكن ان يحصل للمرأة التي تعيش بظروف أقل حظا مني؟
كان يتم تداول الفيديو سرا في أروقة الرسائل الخاصة من تلك الفضاءات الكثيرة. يهمسون خوفا بدعمي، او يرفعون أصواتهم استياء لتعريضي لنفسي لتلك المواقف.
موقف الوطن بجهاته السيادية لا يختلف، بل يتواطأ مع إبقاء المرأة "سبية" للرجل. فموقف المحكمة الدستورية الفلسطينية من سمو المعاهدات الدولية ومنها سيداو على القانون الداخلي، الا فيما يرونه وفق اجتهاداتهم الشخصية متعارضة مع الأقسام الدينية والسياسية والثقافية للشعب الفلسطيني، مما يصعب من تطبيق القوانين ولا سيما سيداو في فقرته ال ١٦. الذي أدى لتخوف سيداو من قرار المحكمة الدستورية الفلسطينية من هذه العبارة.
وجل ما ترجوه المرأة في كافة مؤسساتها النسوية هو تغيير هذا القانون، فيما يبدو أقرب الى الاستجداء والانتظار من سنة الى أخرى، مع كل فرصة في محفل عام، مع كل لقاء لمسؤول، كان اخرها في صورة توسطهن بها رئيس الوزراء في وعد متجدد لتمرير ذلك القانون! الا ان أكبر ما
حصلت عليه المرأة من مكافأة هو رفع سن الزواج الى ١٨.
ومع هذا لقي هذا القرار اعتراضا، يجعل المستنير منا امام تساؤل مرعب اخر: اين نحن من هذا المجتمع؟ هل هناك من يزوجون البنات قبل الثامنة عشر؟
قانون العقوبات رقم ١٦ لسنة ١٩٦٠ يمنح المشرع الفلسطيني بمنهج اعفاء الجاني من العقوبة وذلك وفقا لما يعرف بالعذر المحل او المعفى من العقوبة. فهنا الذكر يستطيع ان يبرر فعلته تحت بند حماية شرفه كذلك منها. الاعذار المخففة هي دائما مفتاح الرجل للقتل.
تستمر قضية نيفين العواودة في استدعائي، لم أكن اعرف انني سأعيش يوما ما تعرضت له في سياق اخر، سياق مرتبط من ناحية بفكرة الإشارة الى فساد ما في مكان ما من اجل المصلحة العامة، فوجدت نفسها جثة هامدة انتهى موتها بدية وتلفيق قاتل ومنشد.
ما الذي يجعلني مختلفة عنها؟ فلقد تم التعرض لي بينما كنت بحماية "المشرع" ولم تنبس للكائن جفن بينما كان يهدد. ما الذي يحميني من قتل قد يكون محتم في ظل انعدام امن، في لحظة ترفع العائلة يدها عن المرأة خوفا، ويسكت المجتمع ذعرا ويستمر القاتل في التجوال. ذلك الذي قتل بالفعل وذلك الذي يشكل مشروع قاتل في أي لحظة.
يمكن ان تقض مضاجع الحكومات العربية من اجل فستان ممثلة او مطربة، وتمر جرائم قتل النساء والتعدي عليهن مرور الكرام...
فستان ديانا كرزون، اقام القيامة في الأردن، لشبهة شفافيته، بينما تقتل الأمهات على يد ابنائهن، والزوجات على يد أزواجهن، والفتيات والنساء على يد الاب او الأخ او ابن العم او الجار او عابر السبيل، ولا يتحرك لهذا المجتمع شعرة.
ويظهر جزء من جسد ممثلة او مطربة وتتحول القضية الى رأي عام، ويتدخل القضاء والنيابة والبرلمان في تداول الامر في حالة طوارئ يشكل جسد المرأة من خلالها شرف الوطن وزهوه او انحداره واندحاره!