رشا حلوة - " وكالة أخبار المرأة "

خلال الأيام الأخيرة، امتلأت صفحات السوشيال ميديا المتنوعة بصور أصدقاء وصديقات وطبعًا آخرين، وهم/ن في سنّ متقدّم (كبار وكبيرات في السنّ). على مدار حوالي يوميْن، استخدم الكثيرون تطبيق FaceApp عبر هواتفهم المحمولة لتحويل صورهم التي يختارونها من جيلهم الحالي إلى جيل المسنين، من خلال ما يوفّره التطبيق من "فلتر" في خانة "الجيل" يحمل الاسم "old".
التطبيق الذي طوّرته شركة روسية في بداية العام 2017، انتشر من جديد بعد عاميْن بالأساس من خلال "فلتر الجيل"، حيث أن التطبيق منذ انطلاقه في شبكات السوشيال ميديا، حظى بنقد متواصل ومتنوع، من جهة، يقع التطبيق في خانة سؤال الأمان الرقمي، وما هو الهدف من وراء رفع صور المستخدمين/ات إلى منظومته، وهو سؤال  يدور بالعموم في فلك استخدام تطبيقات عديدة في الهواتف المحمولة، متعلقة بخصوصية المستخدمين/ات واستخدام معلوماتهم/ن لأهداف تجارية أو سياسية عديدة.
من جهة أخرى، حصل التطبيق في فترة انطلاقه قبل عامين على نقد متعلّق "بعنصرية" مضمونه، حيث احتوى آنذاك على خانة "تبيض البشرة" لأصحاب البشرة السوداء ليبدون أكثر "أوروبيّين"، وبعد موجة النقد، حذفت الشركة هذه الخانة. لكن فيما بعد، كانت قد احتوت على خانة صُنّفت بالعنصرية أيضًا، وهو "فلتر الإثنيات"، حيث يختار الناس أن تتحوّل صورهم إلى "أبيض"، "أسود"، "آسيوي" و"هندي"، وبعد موجة النقد هذه أيضًا، حذفت الشركة هذه الخانة.
وبالعودة إلى انتشار الحديث ضمن خانة "الجيل"، كان من الواضح عبر صفحات الأصدقاء والصديقات في فيسبوك تحديدًا، أن صور "التقدّم في السنّ" المشاركة أكثر هي صور الرجال من الأصدقاء، مقارنة بالصديقات النساء. ولهذا الرصد السريع عبر متابعة الصفحات، أسئلة كثيرة تعود إلى المسألة الجندرية حول التعامل مع التقدّم في السن من قبل النساء مقارنة بالرجال، في مجتمعات ومنظومات اقتصادية تريد أن تبقي النساء "شابات إلى الأبد" من خلال وسائط عديدة.
و قبل الاستمرار في هذا المحور، من المهم توضيح ما يفعله تطبيق FaceApp أكثر؛ يرفع المستخدم صورته ويختار "فلتر" الجيل ومن ثم "التقدّم في السن"، ويقوم التطبيق بتحويل صورة الرجل من شاب إلى كهل، عبر إضافة تجاعيد للوجه والعيون، بالإضافة إلى تحويل الشعر من لونه "الشاب" إلى شائب، أي شعر أبيض، وإن كان للرجل المستخدم ذقنًا طويلًا، فيتحول لون الذقن إلى أبيض. لكن تغيير لون الشعر هذا، يمنحه التطبيق فقط  للرجال دون النساء، فالنساء عندما يرفعن صورهن في التطبيق، ويخترن "فلتر" الجيل، يقوم التطبيق بإضافة تجاعيد إلى وجوههن والحفاظ على ألوان شعورهن كما هي في الصور. أنا، مثل كثيرات من الصديقات، قمت باستخدام التطبيق، رفعت مجموعة من صوري كي أفحص كيف سيحولني التطبيق إلى امرأة عجوز؛ وجهي تغيّر، مليء بالتجاعيد، لكن لون شعري، بقي كما هو.
لماذا لم أصبح شائبة الشعر كأصدقائي من الرجال؟ الإجابة الأساسية لهذا السؤال تعود إلى المسألة الجندرية في تعامل المجتمعات/ العالم مع المرأة وتقدّمها في السنّ، هذا التعامل غير المنوط فقط بلون الشعر، وأنه على النساء أن تواصل صبغ شعرها بألوان عديدة تخفي فيها شعرها الأبيض الذي ينمو بطبيعية مع تقدّمها في الجيل، بل أيضًا مع الصناعة المتواصلة للعمليات البلاستيكية ولكريمات الوجه لإخفاء تجاعيد وجوههن. فالرجل شائب الشعر، يُعرض ويقدّم عبر الميديا بوسائلها المتنوعة (التلفزيون، السينما، الإعلانات، إلخ..) على أنه "جّذاب"، والمرأة لا مساحة للجاذبية في شيخوختها، وعلى شعرها أن يبقى شابًا وصغير السنّ كي تبقى "مقبولة" و"سكسي".
لأسباب وراثية، ظهر عندي شعر شائب وأنا في الثامنة عشر من عمري، عندها، كنت أصبغ شعري بألوان تُبحر ما بين البني، الأسود والأحمر، بلا علاقة لشعري الأبيض. مع مرور الوقت، زاد شعري الشائب، وكان خيار الصبغة هو لإخفائه تمامًا… لأنه "مش حلو"، ووجوده "يكبرني في السنّ"، هذا الشعور تغذّى من المحيط أيضًا. مع أنني، ككثير من الناس، أرى في الشعر الشائب جذابًا على الرجال مثلًا. لكنني بالطبع لست معزولة عن تأثير ما تروّجه الميديا في هذا السياق.
مؤخرًا، وجدت أن عددًا لا بأس به من الصديقات قررن أن لا يصبغن شعرهن بعد، وأن يمنحن شعرهن الأبيض المساحة الحرّة للنمو والتكاثر. يبدو هذا الخيار في المسألة الجندرية، ثوريًا… بالعودة إلى الطبيعة البشرية، وإلى قبول وحب الذات والتغييرات التي تحدث بالشكل رغم أن أنف كيف تصوّر المرأة وشعرها الأبيض، أو كيف يُصوّر تقدّم سن المرأة على أية حال.
لإخفاء شعري الأبيض، كان عليّ أن أصبغه مرة كل شهرين أو ثلاثة أشهر، لكن لسبب ما، ولربما جاء صدفة، قررت قبل فترة أن لا أصبغ شعري بعد، وأن أنضم إلى مسار ثوري، إنّ صح التعبير، يرى الشعر الشائب جميلًا وجذّابًا. لكن صدقًا، السيرورة ليست سهلة، هنالك صراع شبه يومي كلما وقفت أمام المرأة، أو التقطت لي أحد صورة، يتمحوّر حول السؤال: "بس مش بعد بكير على شعري الشايب؟".
هو سؤال يمتد أيضًا من ما يُسمى "صورة الجسد"، أي Body Image، والذي هو بمثابة أفكار الفرد وإدراكه ومواقفه من مظهره الشخصي النابع مما يُروّج على شكل المظهر الخارجي المثالي، وبأساسه المرتبط بوزن المرء وجسده، بالإضافة إلى تفاصيل أخرى، والنساء هن أكثر من يعانين من هذه المسألة في ظلّ ما تقدّمه الميديا العالمية ووسائطها لشكل المرأة وجسدها "المثاليين": نحيفة، بيضاء البشرة، شعر مالس وبألوان "شابة" وغيرها من التفاصيل.
لا أدعي الثورية والبطولة في هذا السياق، لكني ككثيرات من النسويات والنسائيات في مجتمعاتنا وعالمنا، نُسائل معايير الجمال التي فُرضت علينا في سياقات عقليات ذكورية رسمت أشكال وأجساد النساء "المثالية". ونحاول من خلال هذه المساءلة، أن نبدأ بأنفسنا، أن نحكي مع أجسادنا وتطورها الطبيعي، بما في ذلك شعرنا الشائب. أن نتعلّم كيف نكون أقل قسوة على أنفسنا، أن لا نواصل مطالبة أجسادنا بأن تخضع لمعايير تحوّلنا كلنا إلى نفس "الصورة"… وبالطبع، أن نتعلّم كيف نحبّ أجسادنا وشعرنا الشائب في ظلّ قنوات كثيرة تغذينا بكيف نكرهها، حتى تلك التي لا ننتبه لها وفيها الكثير من المتعة والضحك الشرعيين، مثل تطبيق FaceApp، الذي يساهم في مواصلة التمييز على أساس جندري، خطورته توازي التمييز على أساس إثني.