الدكتورة : سناء أبو شرار - الأردن - " خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

نحن كالطبيعة: منا من يجلب الأعاصير
ومنا من يجلب النسمات بعبق الياسمين
الحياة ليست سوى اختيارات، مثل ما نختار الطرق يميناً أو شمالاً، شرقاً أو غرباً،
في مركبة الحياة نحن دائما أمام خيارات، ولكننا لا نمتلك جميعاً الحكمة الكافية لنختار بشكل صحيح، بشكل لا يجرح، لا يدمر، لا يجعلنا نندم لأجل التضحية أو الوفاء، أو نحمل عذاب الضمير لما قد نسببه من أذى.
هناك من فُرضت عليه التضحية لأنه لا يوجد طريق آخر إنه طريق مغلق ولا يقود سوى لجدار يجعلك تعود من حيث أتيت وتقبع حيث كنت. وهناك من اختار التضحية وألا ينسحب من مسؤولياته فيضحي بشبابه، بأيامه وساعاته لأجل الآخرين، يذوي لأجل أن يضيء طريقهم، يُقزم أحلامه لأجل أن يحققوا أحلامهم، لا تتملكه مرارة الخسارة لأنه ربح جولة الصبر الأخير، يشمخ بأنه لم ينسحب، لم يتخلى، لم يهرب من واجباته ومسؤولياته لدرجة تلاشي الذات.
ولكن سواء كانت التضحية اختيارية أم اجبارية، فهل يكون هناك دائماً العرفان والتقدير؟ هل يكون هناك دائماً من يُقبل اليد التي ضحت وتناست ذاتها، أو ربما لا يقبل اليد ولكن يكفي أن يقبل الجبين ويقول شكراً، لن أنسى معروفك أبداً؟
الجواب هو لا... لا كبيرة وبأحرف ضخمة سوداء داكنة، لأن العرفان بالجميل شيء نادر ثمين وربما أعلى قيمة من التضحية، لأن التضحية بها جزء من المكافأة للذات لأنها استطاعت أن تنجح بامتحان الابتلاء وتقوم بما عليها، أما العرفان فهو شعور نمنحه بالكامل وبكل عمق المشاعر للآخر، إنه شعور يخص الآخر ليس لنا به شيء سوى خفقان القلب واحمرار الوجه، لذلك هو أصعب وأكثر عطاءاً من التضحية.
وهناك من لا يكتفي بنسيان العرفان، بل يُمعن بالتدمير، تزرع حديقة مليئة بالأزهار الفواحة له كي يستمتع بها ولا يرى سوى الجمال ولا يستنشق سوى شذا الورود، فيحمل لك الإعصار المُدمر وبلحظات تتحول الحديقة إلى أكوام من الزهور والأشجار المُقتلعة، وترحل عصافير تلك الحديقة ويتحول الشذى إلى رائحة من الفحم والرماد؛ ثم لا ينتابه أي شعور بالندم، لقد أحضر الدمار وغرسه في اللحظات والأيام وفي الصدر والقلب، ثم يسير فوق الدمار يردد أغنية بشعة حفظها في مكانٍ ما بعيداً عن الحديقة الفواحة؛ لأنه وببساطة يعتقد أن التضحية التي تم تقديمها لسنوات كانت واجب من قام بذلك، وأنه لم يطلب منه أن يضحي ولا يحمل مسؤولية رد الجميل لأنها مسؤولية مقيتة وثقيلة.
وهناك من يبدو كنسمات صيفية باردة هادئة رائعة، تأتي بعد القيظ الطويل، ينحني ليقبل يد من قدم التضحيات، ويقبل الجبين ويتذكر المعروف ويريد حتى برموش عينيه أن يوفي الجميل، بل يرى أنه مهما قدم لا يكفي، ويستمر بسقاية الحديقة الفواحة، فتشتد أشجارها قوة، وتكبر زهورها لينتشر شذاها إلى خارج حدود الحديقة، فتتمايل الأغصان الرقيقة مع النسمات اللطيفة.
ولكن، على من قدم التضحية أن يتعلم نسيان تضحيته، وأن يبدأ دائما من جديد، فالأولى بالنسيان هو من قدم التضحية وليس من تمتع بها، حكمة الحياة وواقعيتها تفرض علينا النسيان أو التناسي لنستمر بالحياة، لأن الحياة مع المرارة ليس سوى خسارة للوقت وللصحة، وهو يشبه الحديث مع حفنة رمال جافة لا تلبث أن تتسرب من الكف التي تحملها.
 في كل لحظة من الحياة، لابد أن ترى أين مكانك من اللحظة، من اليوم، من السنة، وحين تتدمر حديقتك، لابد أن ترمي بالأطلال وأن تزرع من جديد، ولكن هذه المرة ليس للآخرين ولكن لذاتك، إنها حديقتك بعد سنوات من أداء الواجب، سنوات من تلاشي الذات، لابد أن تجد ذاتك أمام الجحود ونكران الجميل، وأولئك الذين يدمرون ثم يمرون مر السحاب، لابد أن يخرجوا من حياتك وأن تنساهم وتنسى تضحيتك تجاههم، وتجعلهم لا يمرون مرة أخرى كالسحاب فارغين من كل شعور بالذنب، لابد أن تذهب أعاصيرهم بعيداً عن مجالك النفسي والمادي.
فمثلما أتقنت التضحية لابد أن تُتقن استرجاع الذات وإيجاد ملامحها التي تلاشت، إيجاد الذات عملية فردية ذاتية لن يشاركك بها أحد، إنها العودة للجذور، العودة لما تحب، إنها التوقف عن التضحية البلهاء بعد أن أتى الإعصار. لو أن كل منا امتلك ذلك الحيز لذاته دون أن يسمح لأحد أن يشاركه به أو يعكر صفوه لوجدنا متعة الحياة الحقيقة، وأن السعادة ليست ولن تكون عبر ما يقدمه الآخر، بل ما تقدمه لنفسك من عناية، ووقاية، وأن تُدير ظهرك أمام الجحود وأن تتمتع برقي النسيان وأن تختار مرة أخرى وأخرى طريق جديد وأنت تسير في مركبة الحياة التي لا تتوقف عند التضحيات ولا الأعاصير ولا تبكي الذات، بل تمضي بطريق جديد حين يصبح الطريق السابق مُغلق، فمركبة الحياة تضيع في الطرق المظلمة ولا تسير إلا على الطرق الصلبة وتبتلعها الرمال الناعمة.