حسن المرابطي - " وكالة أخبار المرأة "

غالبا ما تتردد على ألسنتنا: "إن كان الكلام من فضة، فالصمت من ذهب"، لكن الواقع يشهد بعكس ذلك، ولا نجزم أن المقولة صائبة دائما. لذا لابد لنا من إحسان الظن وعدم الاستعجال لأن طلب الحقيقة يستلزم التأني. فإن كان حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت"، فهذا يعني أن هذا دليل لزوم الكلام إلا إن اتضح منافاته للمصلحة، وليس كما يعتقد البعض لزوم الصمت، بل يجعلنا نتساءل عن أي حد يمكن اعتبار الصمت والكلام جريمة أو عمل أخلاقي؟
إن ما نعيشه؛ في عالمنا بشكل عام؛ من أحداث وانتفاضات الشعوب على حكامها ليس أمرا مفاجئا، بل ما يحدث كان نتيجة ما سبقه من صمت دام كثيرا على الظلم، ما يجعلنا نقول بتجريم ذلك الصمت لما أداه من سقوط ضحايا وحدوث أزمات عمت جميع المجالات، بل هذا ما يشير إليه الحديث الشريف: الساكت عن الحق شيطان أخرس، بل ألم نقرأ قول الله عز وجل: ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه. فلماذا لم يستنكر الشعب بكل أطيافه ومن على منابره الظلم في وقته المحدد ومحاولة اجهاضه قبل تجذره، حتى لا يصبح مكونا من مكونات الثقافة؟ أليس الصمت على هذا يعتبر جرما لما أعقبه اليوم من خسائر؟ ألم يقل نبي الله عليه الصلاة والسلام: إن الناس إذا رأوا الظالم، فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب.
إن ما نقاسيه في بلادنا من معاناة وأزمات اقتصادية ليس بالأمر الغريب إذا ما تمعن النظر، لأن كل ما يصيبنا جميعا نتيجة صمتنا على الظلم، وها نحن يعاني فينا كل من ظَلم ومن ظُلم طبقا لما أعلمنا به حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم. بل نجد أن العلامة ابن الجوزي رحمه الله يقول: "فمتى رأيت معاقبا، فاعلم أنه لذنوب". وقال أيضا: "ومن الاغترار أن تسيء فترى احسانا فتظن أنك قد سومحت، وتنسى من يعمل سوءا يجز به". وذلك مصداقا لقول الله: فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره. إذن لابد من الحذر الشديد حتى لا يسيء المرء لغيره ويغتر بقوته، بل لابد من القيام بمحاولة الإصلاح ولو بكلمة كما اشارت إليه مجموعة من النصوص الشرعية.
اعلم أخي أختي أن الصمت والكلام تسري عليهما الأحكام الخمسة المشهورة، فيكونا أصالة مباحين، لكن يمكن اعتبارهما تارة من الواجب أو المندوب أو المكروه أو الحرام. لذا فإن الصمت الذي كان يخيم على الشعوب العربية أعقب من النتائج السلبية الكثير، من بينها الأزمات السياسية وسقوط ضحايا نتحمل جميعا مسؤوليتها كل حسب منصبه أو موقعه، لأن الواجب الديني كان يفرض الاستنكار عند كل تجاوز وظلم، وما الصمت الذي كنا نتخذه وسيلة هروب وتهرب من المسؤولية بدعوى خيرية الصمت على الكلام.
لنتدبر هذه الآية الكريمة: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم، وكان الله سميعا عليما. وقوله تعالى في الحديث القدسي: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين. ليحق لنا إثبات حق المظلوم في إعلان؛ بصوت مرتفع؛ تعرضه للظلم من الأطراف الظالمة، لأن انتصاره في كل الأحوال حاصل مهما حدث، غير أنها مسألة وقت فقط. وهذا الحق الذي يجيز للمواطن المحروم من حقوقه الخروج للشارع معلنا جهرا ذلك مؤيد بالوحي. بل يجعلنا؛ اعتمادا على كل ما سبق ذكره؛ نجزم أن الصمت أساس كل إذلال وخنوع وخضوع وفقد الحقوق والواجبات. مما يعني؛ حسب كل الوقائع والشواهد؛ حدوث اضطرابات أمنية سياسية اجتماعية واقتصادية عند كسر هذا الصمت. الأمر الذي يفرض علينا القول بضرورة تغيير الشعار الذي افتتحنا به المقال إلى شعار أصح منه وأسلم: إن الكلام من الشجاعة والصمت من الحماقة.