ديما مصطفى سكران - سوريا - " وكالة أخبار المرأة "

"تقول الأسطورة إن النساء المسلمات ليس لهن آذان ولذا هن يضعن الحجاب"، هذا ما قاله لي مديري الألماني في اليوم الأول في العمل ممازحا، فوجدت نفسي أتحسس أذني من فوق الحجاب السميك وأنا أصطنع ضحكة، فمن المهم أن تضحك على نكات مديرك مهما كانت سمجة، خصوصا في اليوم الأول في العمل، ولكن هل كانت هذه نكتة بالفعل؟ أم أنه كان يريد التأكد؟ لأنني ضبطه أكثر من مرة يتأملني من بعيد وكأنه يبحث في رأسي عن شيء ما. إنني أملك أذنين بالفعل، ولكنني للأسف لا أستطيع جعله يتأكد من ذلك.
لا أستغرب أبدا أن يصدق أحد معارفي الألمان، في هذه المدينة الصغيرة غير المعتادة على الأجانب، أنني لا أملك تحت الحجاب أذنين، ما دام أنني سُئلت مرارا إن كنت أنام بالحجاب أو أستحم به، فحولنا نحن المسلمات تنتشر هنا الكثير من الخرافات المضحكة. وفي كل مرة أجلس فيها مع أحد الزملاء أفند له خرافة جديدة، فيتحلق الباقون حولي باهتمام، بينما أنا أروي لهم كيف أنني زرت الجامعة، وكيف أنني أتحدث عدة لغات، وكيف أنني أعرف من يكون أينشتاين، وكيف أنني أفضل الجاز على الراب. تفاصيل صغيرة عن امرأة عادية لم تكن لتثير اهتمام أي أحد، لكنها تبدو مثل أخبار الصفحة الأولى عندما تصدر عن امرأة مسلمة. يكون الأمر مسليا بالنسبة لي في المرة الأولى والثانية والثالثة، لكنه يصبح في المرة العاشرة مملا جدا.
ولا يعكس هذا الفضول لدى شريحة واسعة من الألمان إلا حالة من الجهل المطبق بالمرأة المسلمة، واستسلاما للصور النمطية التي تُعتنق دون كثير من التدقيق. إنه فضول يشي بنظرة دونية للمرأة المسلمة، تكشفها شهقات الانبهار وعبارات التقدير التي تلي ذكر أي أمر عادي، كدخول الجامعة أو قيادة السيارة أو القدرة على السباحة، فهذا التقدير في الحقيقة هو تعبير مبطن عن الازدراء، يصبح معه أي إنجاز مدعاة للتصفيق! لكن اضطراري لشرح نفسي للآخرين على مرارته يظل أفضل من عدم تمكني من الشرح على الإطلاق، وإن سيل الأسئلة الذي يغرقني به البعض هو أكثر إيجابية من الصمت المطبق لدى البعض الآخر، الذي يكتفي بما يؤمن به من قناعات حول المرأة المسلمة، ليأتي سلوكه تعبيرا عمليا عن هذه القناعات. ولعلنا كنساء مسلمات تزداد حساسيتنا بشكل مضاعف في الغرب، ونتمكن من التقاط أي تعبير عن الكراهية والنفور مهما كان صغيرا!
فالوقوف في طابور في السوبر ماركت، على رأسه موظف يحيي الجميع تحية آلية لطيفة، يتحول إلى حالة من الترقب فيما إذا كانت هذه التحية ستجد طريقها إلى وجهي أم لا. وكثيرا ما يحدث أن يطبق البائع شفتيه تماما عندما أقف أمامه، ليقوم مجبرا بخدمتي، مع عدم ترك أي فرصة تفلت منه لإشعاري بأنه يفعل ذلك بلا أي سرور، على عكس عبارة "بكل سرور" الترويجية المطرزة على قميصه.
لقد تحولت هذه المواقف إلى شيء من الروتين اليومي، فهناك دوما هؤلاء الأشخاص الذين يتحكمون بمزاجي الشخصي عند لقائهم على طاولات الحساب، أو خلف مكاتب الدوائر الحكومية، فأخرج من عندهم باشة عندما يقابلونني ببشاشة، ومعكرة عندما يقابلونني بعبوس.
وعلى الرغم من تكرر هذا الأمر كثيرا، لكنه يبدو في كل مرة يحدث فيها وكأنه يحدث للمرة الأولى، وكأن المرء غير قادر أبدا على التعود على الشعور بالإهانة! تلك الإهانة التي فاجأني بها الضابط الذي استقبلني في مطار التيغيل في برلين، عندما تقديمي طلب اللجوء. لقد كان تحقيقا طويلا خاضه الضابط مع طاولته تقريبا، لأنه لم يرفع نظره عنها، متحاشيا تماما النظر في عيني. وكانت تلك المرة الأولى التي أعاين فيها بنفسي معنى أن أكون مسلمة على أرض أوروبية، ومعنى أن أتعرض للتمييز بسبب معتقدي، وأدركت حينها أن جزءا كبيرا من حياتي سأمضيه على هذا النحو، يُخاطب فيه الآخرون الطاولات والكراسي ولوحات الجدران وساعات الحائط وهم يتكلمون إلي، أو ينظرون إلي أحيانا بحدة بالغة وكأنهم، رغم استخدامهم ضمير المخاطب المحترم، يهددونني بالقتل.
وعلى الرغم من أنني قد أُتهم بالإصابة بالرُّهاب إذا تحدثت عن الخوف من تعرضي للإيذاء، لكن صمتي عن هذا الأمر لن يغير حقيقة شعوري به أحيانا، ولعل هذا ما يدفعنا نحن المحجبات أحيانا إلى تغطية حجابنا بقبعات السترات الشتوية قدر الإمكان، لكن الصيف يجعلنا نبدو في مجتمع تتكشف فيه سيقان الرجال والنساء على حد سواء ملفتاتٍ جدا للنظر، ثم هَبْ أننا تمكنا من حل المشكلة في الصيف بطريقة ما، فماذا نفعل بملامحنا الشرق أوسطية؟ وأين نذهب بأنوفنا؟ إن أنوفنا تفضحنا للأسف، وأنوفنا هي المسؤولة الأولى عن انكشاف أمرنا حتى عندما يكون حجابنا متوار تحت القبعات الشتوية!
لكن أنوفنا لا تسبب للبعض أي مشكلة، فعلى النقيض من أولئك الذين يريدون إشعاري أنهم لا يرونني على الإطلاق أو أنهم يرغبون بقتلي، هناك أولئك الأوروبيون اللطيفون الذين يريدون إظهار مودتهم إلى درجة الاحتضان، دون أن تعني لهم هويتي المسلمة أنني امرأة لا تعانق! نعم، لم نعد الآن في جدال "أنا لا أصافح"، بل انتقلنا إلى جدال "أنا لا أعانق"، والذي أجد نفسي بسببه أدفع عني بعنف زملاء لطيفين يريدون معانقتي على الطريقة الشبابية. العناق، وزجاجة الشمبانيا الصغيرة التي وضعها أمامي زميلي في العمل بمناسبة يوم المرأة، والشوكولا التي يناولونك قطعة منها لتنكسر في فمك عن جرعة من الخمر، كلها ليست إلا تفاصيل في جهل الأوروبي بالمرأة المسلمة، يبرِّرُه أحيانا بأنها ليست إلا جرعة صغيرة من الخمر فقط، وبأن بإمكاني ابتلاعها، طيب وماذا عن زجاجة الشمبانيا؟ هل آخذها لأنها زجاجة "صغيرة" أيضا ويمكنني احتساؤها؟ يفاجئك العقل الألماني أحيانا عندما لا يستوعب أن الأمر لا علاقة له بالحجم.
والعقل الألماني يقف عاجزا أيضا عن فهم قدرتي على تثبيت حجابي الكبير بدبوس واحد، فتتجمد صديقتي الألمانية فاغرة فاهها لتراقبني أمام المرآة وأنا أضع الحجاب خطوة خطوة، منبهرة بكل ما أفعله، طالبة مني التوضيح، فأبدأ بالتفلسف عن نوعية معينة من القماش أحتاجها، وعن أبعاد معينة لأطراف الحجاب، وعن آلية معينة للفه حول الرأس، لأنني أجد من غير اللائق بمكان الاعتراف ببساطة الأمر أمام مقدار ما تبديه هذه المرأة من انبهار ، كما أنني أجد انبهارها فرصة للتباهي بأمر ما أمامها. نعم يا سيدتي، أنتم الألمان لديكم فولكس فاجن، لكننا نحن المسلمات نستطيع تثبيت حجابنا بدبوس واحد فقط!
وكما تعجبت السيدة من قدرتي على ارتداء الحجاب بهذه السرعة، فإنها أبدت اندهاشها الذي كاد يقارب إصابتها بأزمة قلبية حين حضرت عرسا سوريا، رأت فيه النساء المسلمات اللواتي تعرفهن بالحجاب حاسرات الرأس متزينات! كانت تحتاج قرابة العشر دقائق من البحلقة بكل امرأة على حدى قبل أن تبدأ بالنطق، وهذا هو الأمر الوحيد الذي لم يفلح أحد بعد في شرحه للألمان، فهم لا يستطيعون أن يفهموا كيف بوسع النساء أن يكن جميلات ثم يخفين جمالهن بالملابس المحتشمة! ولعلي بعد هذا الموقف فهمت سبب الثرثرات الهامسة التي أسمعها من خلفي أحيانا، عندما أكون واقفة أمام رفوف محل التجميل، أقلب علب الشامبو بين كفي، وأجرب ألوان أحمر الشفاه كعادة النساء العربيات على ظهر يدي. نعم يا عزيزاتي نحن نستخدم الشامبو، ونحن نضع أحمر الشفاه، ونحن ندرس في الجامعة، ونحن نعرف من هو أينشتاين، ونحن نقود السيارات، ونحن نستحق تحية لطيفة أمام الكاشير، ونحن لا نعض ولا نرتدي أحزمة ناسفة تحت ملابسنا الواسعة، ونحن لا نتحجب لأننا قبيحات، ونحن قبل كل ذلك أيضا لدينا آذان!