" وكالة أخبار المرأة "

في مساء يوم حار، مطلع العطلة المدرسية، كانت سلمى مصباح (أم شابة) تتجهز للخروج بصحبة ابنتها في نُزهة. فسلمى -كما حال كثير من الأمهات- تخشى خطرا قد يتهدد ابنتها اليافعة في الفضاء العام.
تحكي سلمى بحسرة وأسف "نعاني نحن الأمهات بين تمكين بناتنا من تفكير حر وانخراط فاعل في الفضاء العمومي، وبين تقييد خروجهن للفضاء العام لما فيه من خطر قد يتهدد سلامتهن ويجعلهن عرضة للتحرش أو الاعتداء والعنف".
نوع من الاستقواء
وتعرف الاختصاصية النفسية والباحثة في علم النفس الاجتماعي بشرى المرابطي، التحرش الجنسي تجاه المرأة والمرفوض، بكل لفظ أو فعل بمضمون أو إيحاء جنسي يمارسه الرجل بوعي ويتميز بالتكرار والإلحاح، يتخذ شكل الإعجاب ويصل إلى حد الإهانة والاستهزاء والتعدي.
وتوضح المرابطي -في حديثها أن "تطور المجتمعات العربية لم يُصاحب بانتظام قانوني وقيمي وبثقافة المساواة واحترام المرأة، فكانت نتيجته اعتبار الرجل جسد المرأة في الفضاء العام ملكية مشتركة، وبذلك يستباح جسدها".
وتضيف أن الرجل العربي يمارس -من خلال التحرش الجنسي- نوعا من الاستقواء المستمد من المشروعية المجتمعية، وهو انعكاس للمخزون الثقافي الذي يعتبر المرأة "بضاعة" يحق للرجل تملكها في غياب تام لموافقتها.
عائق أمام التفاعل المجتمعي
تقول سلمى "نتعرض للتحرش بكل أشكاله، في الفضاء العام وفي فضاءات العمل المهني والتطوعي". وتعتبر سلمى كما هو حال كثير من النساء بالمغرب أن غياب فضاء عمومي آمن يحد من نشاطهن ويقلل من تفاعلهن الإيجابي في المجتمع، وفي الوسط العام.
وتحكي سلمى كيف أن سلوك مثل التحرش، الذي تصنفه نوعا من العنف الموجه للنساء بسبب جنسهن، يقلق ويخيف "لا يمكن أن أمارس الرياضة بحرية، ولا التسوق براحة".
ويقدر معدل انتشار العنف ضد النساء بالمغرب بنسبة 54.4%، حسب معطيات بحث رسمي حول انتشار العنف ضد النساء.
عائق أمام التطور المعرفي والمهني
أما لطيفة (أم لفتاتين، قاطنة بالرباط العاصمة) ترى أن التحرش يشكل أمام بناتها عائقا للخروج وممارسة الحياة العادية بالفضاء العام. وتقول "أحرص على تعليم بناتي أن التحرش خطأ الآخر وليس خطأهن".
ويحدث التحرش لدى المرأة علاقة متوترة بذاتها، ويخلف ندوبا نفسية لما فيه من انتهاك الخصوصية والمس بالكرامة والأمن النفسي والاجتماعي، حسب الاختصاصية النفسية بشرى المرابطي. وقد يسبب في حالة الهشاشة النفسية بعض الاضطرابات السلوكية مثل الرهاب المجتمعي، وتراجع الأداء الدراسي وانخفاض الأداء عموما.
وتضيف المرابطي أن التحرش قد يحد من اختيار التخصصات لدى المرأة، ومن حرية اختيار الوظائف والترقي في العمل، حيث تأخذ بالحسبان المسافة والأمن في أي اختيار، بالإضافة إلى أن الأم تنقل مخاوفها للجيل الصاعد.
وكان المغرب شهد حالات من التحرش والاعتداء في الفضاءات العامة دونت ووثقت ولقيت إدانات واسعة، وحسب معطيات رسمية فإن 12.4% مــن مجمــوع النســاء المغربيــات البالغــات مــا بيــن 18 و64 ســنة تعرضن للعنف فــي الأماكن العموميــة.
أهمية فضاء عمومي آمن
تحاول أمينة هموري الناشطة في مجال المرأة وعضو مكتب مسير لنسيج من الجمعيات العاملة في مجال المرأة والأسرة، ومعها نشطاء المنتدى، التوعية بأهمية فضاء عمومي آمن عبر حملات إعلامية في وسائط التواصل الاجتماعي، تظهر مخاطر سلوك التحرش وتعرف الشابات بحقوقهن في إطار القانون الجديد الذي تبناه المغرب نهاية السنة الماضية، والذي يجرم التحرش ويعاقب عليه.
وتؤكد أمينة هموري أن المرأة لا يمكنها ممارسة واجباتها دون حق الأمن والإحساس بالأمان الذي هو أهم حقوقها، والذي يمكنها من الخروج بحرية بعيدا عن الخوف للإسهام في بناء المجتمع وتنميته.
حملة إلكترونية للتوعية
توضح عزيزة البقالي رئيسة منتدى الزهراء (قائد مشروع "أمان.. فضاء عمومي دون تحرش")، للجزيرة نت، أن "أمان" عبارة عن حملة تخص التوعية في مجال التحرش ضد النساء، لمواكبة تطبيق قانون (103.13) المتعلق بمحاربة العنف والتحرش ضد النساء.
وقام المنتدى بتدريب أطر الجمعيات وتأطير الفاعلين المدنيين على المرافعات في اتجاه محاصرة الظاهرة، بحسب البقالي، كما دمج الشباب لتملك آليات القانون وآليات الاشتغال على أهمية توفير فضاء عمومي آمن.
واعتمد مشروع المنتدى على وسائط إعلامية تم الترويج لها في مواقع التواصل الاجتماعي بوسوم تحفز النساء المتحرش بهن على عدم السكوت عن التحرش.
مطلب تنموي
وتعتبر المنظمات النسائية ومعظم الفاعلين في المجال أن حق المرأة في اقتسام الفضاء العام مع الرجل دون مضايقات أو اعتداء، يشكل أهم أسس المساواة الحقيقية التي لا يكفي التنصيص عليها في الدستور، ولا تكفي القوانين الزجرية والمقاربة القانونية وحدها على تفعيلها في المجتمع.
وتقدر عزيزة البقالي في حديثها مع أن الأداء الجيد للنساء والمساهمة الفاعلة في التنمية لا بد أن يمرا عبر الإحساس بالأمان والأمن والكرامة، وأن وجود تهديد دائم للنساء من مختلف الأعمار وخاصة الشابات في الأماكن العامة يجعلهن لا يساهمن بفعالية وبالتالي يشكل عائقا أمام التنمية.
وتأمل البقالي أن يعمل القانون باعتباره وسيلة بيداغوجية "تربوية" تلهم الشباب على البوح والمرافعة، معتمدة على دور المجتمع المدني في التوعية من أجل بناء مجتمع عادل للنساء والرجال.
فيما فضلت لطيفة -ومعها كثير من الأمهات- اللجوء لتعليم بناتهن أحد الفنون الحربية للدفاع عن أنفسهن ضد حالات الاعتداء.