مدى الفاتح-" وكالة أخبار المرأة "

من المؤكد أنه لا يمكن وضع جهود الاستشراق كلها في قالب واحد، أو حصرها في وجهات نظر معينة، حيث تبدو محاولات التعميم هنا أشبه بقولنا إن جميع من يتعلم اللغة العربية من الأجانب هم مجرد عملاء أو رجال مخابرات، وهو الأمر غير الدقيق بطبيعة الحال إذا وضع على سبيل التعميم، حيث يتعلم البعض اللغة العربية حباً في هذا البلد أو ذاك، أو لمجرد التعرف على ثقافة المنطقة، التي تبدو لهم مثيرة ومشوقة، أو غيرها من الأسباب الشخصية، التي لا يمكن أن نفترض أنها جميعاً كانت بدافع سياسي أو بدافع تقديم خدمات لمشاريع الامبريالية أو الاستعمار.
ومثلما تختلف دوافع المستشرقين، وهي كلمة عامة نستخدمها هنا للدلالة على جميع المنخرطين في مجالات دراسات اللغة العربية أو العالم الإسلامي، فإن مشاريعهم كذلك تختلف وتتنوع، وهو ما يجعلنا نحدد موضوعنا تحت عنوان «الاستشراق الاستعماري»، الذي نعني به تلك الدراسات التي جاءت برعاية الدول الأوروبية الغازية أو التي وجدت تشجيعاً منها.
من أهم الملاحظات على الاستشراق الاستعماري هو التبادل، ذو الصبغة العلمية الخادعة، الذي تشهده دراسات أولئك المستشرقين، وهو تبادل وتكامل بين «المؤلفات العلمية» التي تزعم التعريف بالعالم العربي أو الإسلامي، والمشاريع الاستعمارية، التي تتخذ من هذه الدراسات مبرراً لها، من أجل مزيد من التدخل، عبر الحديث عن نقل هذه العوالم الجديدة، حتى لو إجباراً، من مراحل انغلاق متخيلة لمرحلة انفتاح على الحضارة والثقافة والرقي الاجتماعي.
من الأمور التي يمكن أن تلفت نظر متصفح تراث الاستشراق الاستعماري، تلك الملاحظات والتعليقات المتناقضة التي وضعها كتاب وباحثون أوروبيون حول دور المرأة في المجتمعات الإسلامية، ففي حين تكثّف الدراسات والدعايات الاستعمارية الحديث حول حجاب المرأة المنتشر، الذي يرمز إلى قهر النساء ومنعهم من حقوقهم الاجتماعية، بحسب ما كانت تردد أسماء كولونيالية مثل اللورد كرومر، الذي حاول الجمع بين الدورين السياسي والثقافي، تعمد الدراسات ذاتها في سياقات أخرى إلى إظهار نساء بأزياء «غرائبية» زاعمة أن هذا الزي المثير والكاشف هو الزي التقليدي والأصيل الذي يعبر عن الهوية المنسية لبلدان شمال افريقيا أو غيرها من المستعمرات.
إذا عرفنا الغرض من بث هذه المعلومات المتضاربة وطرحها للرأي العام الأوروبي، الذي كان مستهدفاً من قبل المستشرقين والسياسيين على حد سواء بحثاً عن دعمه ومؤازرته، فإننا سنتمكن من حل اللغز وتفكيك العقدة. كان التناقض الذي استمر لوقت طويل متمثلاً في السؤال التالي: كيف يمكن أن تكون المرأة العربية/ المسلمة محجبة ومقموعة من جهة، ومتحررة لعوباً ذات ملابس تقليدية غريبة وكاشفة من جهة أخرى؟
في الواقع فإن الغرض وانتقاء المعلومات المطلوبة يتغير حسب السياق، فحين يكون السياق سياق هجوم صليبي على الدين الإسلامي، فإنه يتم التركيز على الحجاب كرمز لذلك الدين، الذي يحد من حركة المرأة وتطور المجتمع، كما يتم التركيز على نقاط أخرى مكررة، كتعدد الزوجات أو مسائل الإرث أو غيرها، أما حين يكون السياق سياق تعريف بالرسالة التنويرية للحملات الاستعمارية، فإنه يتم تصوير المجموعات الإسلامية على أساس أنها مجرد مجموعات بدائية لا تهتم نساؤها بتغطية كامل أجسادهن، ولا يوجد ما يمنعهن من ممارسة الجنس مع أي غريب بشكل لا ضابط له. هذا المنطق الجنسي الأخير يكون في أحيان كثيرة مناسباً لشحذ الهمم من أجل تقديم دعم مالي أو معنوي للمشاريع الاستعمارية، بسبب التشويق الذي تحمله مثل هذه القصص، التي تشجع مزيداً من المغامرين على الانخراط ضمن الجيوش الغازية، وهم يمنون النفس بخوض مغامرات جسدية قد لا يكونون ملومين عليها، باعتبار أن تلك المجتمعات هي منحلة بطبعها ولا تحتكم إلى القواعد الأخلاقية السائدة في بلادهم. من جهة أخرى كانت هذه الروايات مقطوعة الصلة بالواقع تشجع أعداداً من المدفوعين بآمال دينية أو أخلاقية على الانخراط في هذه الحملات، ورغم أن معظم القادمين كانوا يكتشفون وجود واقع مغاير لتلك القصص التي استمعوا إليها، إلا أنهم كانوا، وفي أغلب الأحوال، يتابعون خداع أنفسهم وغيرهم، مفضلين لعب دور الكائنات التنويرية التي أرسلها الله من أجل حمل رسالة الخير للإنسانية.
الاستشراق الفرنسي الداعم للاستعمار كان يحاول أن يخفي ذلك التهافت في السرد والرواية عن مجتمعات الجنوب، عبر المؤالفة بين المنظورين المتناقضين. عدد من رموز هذا الاستشراق عمدوا إلى بناء فرضية جديدة مفادها، أن الحجاب حل محل هذه الأزياء الغربية المقدمة على كونها أزياء تقليدية ووطنية. هذا الإحلال، بحسب المنطق الاستشراقي، تم بشكل قسري وعلى غير الرغبات الشعبية التي تم تهميشها بعد فرض الثقافة الإسلامية. هذه الفرضية، ورغم هشاشتها التاريخية، كانت ناجحة في تحويل المهمة الفرنسية وغيرها من الحملات الاستعمارية، على الأقل في ذهن البعض، من حملة غزوٍ وتعدٍ، إلى مهمة ذات أبعاد ثقافية تضع ضمن أهدافها استعادة الثقافات الجذرية التي هددها «الغزو الإسلامي». اجتهد الفرنسيون في ذلك، وقد شهدت مسارح باريس المفتوحة كثيراً من العروض التي تظهر فيها نساء محجبات وهو يستبدلن في سعادة حجابهن بملابس هي خليط من خيال مصمميها ومن بعض الأزياء الإفريقية.
نعلم اليوم أن أولئك النساء اللواتي تم توظيفهن من أجل إيصال هذه الرسالة للجمهور لم يكونوا محجبات أصلاً، وإنما تم استخدام ملامحهن المشرقية للتدليل على الامتنان الذي تكنه شعوب تلك المناطق لفرنسا، التي ساعدت أبناءهم على استعادة ثقافاتهم الأصيلة، التي هي، وفي أحيان كثيرة، متوازية مع الثقافة الإسلامية.
قصة هذه العروض المسرحية، التي كانت تبدو للكثيرين نافذة وحيدة يمكن من خلالها النظر للشعوب الأخرى، تشبه في دعائيتها قصة طوابع البريد التي انتشرت بعد ظهور الصور الفوتوغرافية. كانت الفتيات المشرقيات يظهرن في هذه الطوابع بشكل يوحي بأنهن راغبات في الجنس أو باحثات عنه، ما رسّخ بشكل تدريجي صورة معينة عن نساء الجنوب في اللاوعي الجمعي الأوروبي سوف يأخذ الأمر كثيراً من الوقت حتى يدرك الأوروبيون أن هذه الطوابع وغيرها من الصور التي كان يتاجر بها باعتبار أنها أصلية، لم تكن تمثّل حقيقة ملابس أو طبيعة النساء في تلك المناطق، بقدر ما أنها صنعت بغرض التشويق وباستخدام «موديلات» كن في أحيان كثيرة من البغايا الرخيصات، أو ممن تم تصويرهن وهن مكرهات. الإكراه على «التحرر» الشكلي كان أمراً شائعاً، وتروي سوزان كايزر في مقال لها على موقع «قنطرة» الألماني، وتحت عنوان «إجبار الفرنسيين المسلمات على خلع الحجاب» قصة شابة من الشابات اللواتي اعتلين خشبة المسرح، من أجل القيام بما هو مطلوب منهن من تعرٍ وتبديل ملابس. كانت هذه الشابة باختصار قد نفذت ما أمرت به بعد تهديدها بقتل أخيها الذي كان معتقلاً. هذه القصة توضح حجم التبادل الذي أشرنا إليه بين جهود «بحوث الاستشراق» والمهمة الاستعمارية بوجهها الاستغلالي والتخريبي الكالح، وهي ليست حدثاً معزولاً، بل يمكن اليوم، ولحسن الحظ، أن نجدها ونجد غيرها موثقاً ومحفوظاً ضمن الإرشيف العسكري الفرنسي وخزاناته التاريخية التي صارت متاحة للجمهور، أو لمن يقرأ منهم.