فاطمة نادي-" وكالة أخبار المرأة "

بنظرات خجولة، ووضعية جسد توحي بالانغلاق، انغلاق على النفس، وكثير من الألم الذي يُخفيه داخله، عكس الصورة التي كانت ترتسم على وجهه، وتبدو مرحة خفيفة. كان يجلس أمامي على الكرسي المجاور لمكتب الطبيبة في العيادة، يتبادل الحديث معها ويجيب عن أسئلتها في خجل، وهو ينظر إليها حيناً، ويطأطئ رأسه إلى الأسفل حيناً.
كان يملك وجهاً جميلاً، وملامح تفيض بالرقة والعذوبة، لم أكن أفهم ما الذي أتى به إلى هنا؟ وراودني الفضول حتى أعرف كيف لشاب فتيٍّ مثله، يبدو عفياً تماماً، وبصحة جسدية ونفسية ممتازة، كما ظننت في بادئ الأمر، أن يحضر إلى العيادة النفسية.
كنت أتابع حالة أخرى، أجلس إلى جوار الطبيبة وأسمع شكوى مريض آخر، حتى قدِم هذا الشاب وجلس مع طبيبة ثانية، وأثار فضولي بشدة حول شكواه. جالسةً على الجانب المقابل، أحاول بين الحين والآخر أن ألتقط شيئاً من حديثهما، أن أستشف شيئاً من نظراته، تعبيرات وجهه، نبرة صوته، لغة جسده، لكني عبثاً حاولت، كانت جميع الرسائل الصادرة عنه تبدو طبيعية تماماً بالنسبة لي.
وما إن غادر العيادة، حتى اتجهت إلى زميلتي وسألتها: «ممَّ كان يشكو ذلك الشاب؟»، يبدو طبيعياً جداً!
فأجابت: «إنه يعاني للاكتئاب».
«ماذا؟!». قلت في نفسي: «كيف هذا؟!». جاءت إجابتها صادمة جداً بالنسبة لي، إنه يبدو… ثم توقفت وهلة، وقلت في نفسي: «آه، يا إلهي! لماذا أنا مندهشة إلى هذا الحد؟ الأمر ليس غريباً، أعرف كثيرين على هذا النحو. أستطيع أن أفهمه، إنه ليس الوحيد. إنه يُشبهني، ويُشبه كثيرين منا».
علمت أنه طالب بكلية الهندسة، ولكن لم أعلم سبب اكتئابه. سألت زميلتي فقالت إن الطبيبة لم تسأله عن ذلك، وإنه في حالات الاكتئاب يعالجون الأعراض الظاهرة أولاً، ثم يبحثون عن السبب… لكنني لم أره بعدها، ولم أعلم أكان سيأتي للمتابعة بالفعل أم لا.
وفي اليوم ذاته، رأيت طالباً زميلاً بكلية الطب يصغرنا بثلاثة أعوام، وكان يُعاني اضطراباً ثنائي القطب. لقد آلمتني قصته كثيراً، وألهمتني في الوقت نفسه. كان الاضطراب يشتد به، ولم يكن يجد متنفَّساً لأن يتعافى نتيجة تعاقب الضغوط عليه. وكان يخشى التفاعل الاجتماعي مع زملائه وأقرانه؛ خوفاً من أن تصدر عنه بعض التصرفات الخارجة عن إرادته، فيُقابَل بالسخرية والغضب.
«أخاف تحصل مني حاجة غصب عني فميقبلوهاش مني، لكن هنا في البيت أهلي يتحملوني…». كانت هذه كلماته، موجزة مقتضبة، لكنها تحمل بداخلها كثيراً من الوجع.
مع ذلك، لم يستسلم ذلك الصغير لنوبات اضطرابه، فقد كان يقاوم المرض بشراسة، ويبذل ما في وسعه ليمضي في دراسته، ويجتاز امتحاناته بامتياز. لقد كان شجاعاً ومحارباً في نظري. رغبت كثيراً في أن أخرج لأقول له ذلك، وأنه ينبغي أن يكون فخوراً بنفسه، لكنني خشيت أن يأخذها بدافع الشفقة، وأن يؤذيه ذلك؛ فتراجعت خوفاً من أن يخونني التعبير.
وفي يوم سابق بالعيادة النفسية، جاءت أُم ريفية ومعها طفلها ذو السنوات السبع، كان يعاني اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، وصعوبة في التعلم. لكن المشكلة لم تكن في ذلك فحسب، بل كانت المشكلة فيمن حولها، أهلها، وجيرانها، والجميع من حولها، ممن لا يفهمون طبيعة المرض، وأنه قابل للعلاج. لقد حكموا على الولد بأنه «بايظ ومش هينفع.. شوفيله ورشة يشتغل فيها، ده ملوش علام».
وكانت الطامة الكبرى، عندما بدأ الطفل يقتنع بذلك فعلاً، ويردد ما يسمعه ويتردد مراراً على أذنيه كل يوم. وصار يصرخ لأمه: «طلَّعيني من المدرسة، أنا مش عايز أتعلم، أنا عايز أشتغل في ورشة».
قالت لها الطبيبة حينها، إنه فقط يردد ما يُقال له، وأن تستمر في دعمه وتشجيعه مع التزام العلاج. فقالت لها الأم إنها لا تتأخر عن دعمه، وتحتفي به في كل مرة يحرز فيها تقدماً ولو بسيطاً في نتائج اختبارات المدرسة. في آخر اختبار له، كافأته وأخذت تصفه بالعبقري، لكنَّ جدّته وعدداّ من أفراد العائلة يحطمون ما تفعله، بأقوالهم وأفعالهم الهدامة مثل قشة تنسحق في مواجهة شلال عارم.
واندهشتُ أكثر عندما سمعتها تحكي عن امتعاضهم لكونه أعسر، وكيف أخذوا يقترحون عليها أن تفعل أشياء مثل أن تكسر له يده اليسرى، أو تربطها، أو.. أو.. أو.. كثير من الاقتراحات التي تشيب لها الولدان من أجل أن يكتب بيده اليمنى ويصير طبيعياً من وجهة نظرهم مثل بقية الأطفال.
لن أخوض هنا في جدلية ما هو طبيعي، وغير طبيعي، لأنه ليس من حق أحد أن يحدد ذلك، فضلاً عن أنه ليس من حق أحد أيضاً أن يفرض معتقداته على الآخر، ويلزمه أن يصبح نسخة منه، نسخة طبق الأصل لا تختلف عنه في شيء. لكن هذا ما يحدث ويبدو أنه سيظل يحدث في مجتمعاتنا، أن تجد من يحدد لك كل خطوات ومسارات حياتك سلفاً، ويلزمك أن تتبعها، ولا أعلم صدقاً متى سيتوقف البشر عن ذلك!
الأمر محبط ومثير للسخط جداً، وعند التفكير في ذلك، تصيبني الحيرة والتردد عما إذا كان يناسبني هذا التخصص. لقد حضرت العيادة النفسية عدة مرات، وأنا الآن في عامي الأخير «سنة الامتياز»، التي أجول فيها بين التخصصات والأقسام المختلفة لفروع الطب، قبل التخرج رسمياً والحصول على رخصة مزاولة المهنة؛ لأصبح طبيباً مقيداً بسجلات النقابة والوزارة. قد يكون عام التدريب هذا لا يزال في البداية، لكنني كلما طفت ببقية الفروع أجد نفسي تحنُّ وتعود إلى العيادة النفسية من جديد.
عبثاً أحاول الهرب، والتفكير في تخصص آخر؛ خوفاً أن أغرق في شكوى مرضاي، وألا أستطيع أن أفصل بين تعاطفي الشديد معهم، ومهنتي وواجبي تجاههم الذي لا يحتاج تعاطفاً بقدر ما يحتاج مهنية، وعلماً، ومهارة، وحنكة، وحكمة، وغيرها من الصفات.
«وأنتِ بتلفِّي هتلاقي تخصص كده يخطف قلبك»، قالتها لي طبيبة أطفال، ذات مرة عندما كنت أسألها عن اختيار التخصص. وأنا الآن في حيرة من أمري، فدراسة الطب النفسي تخطف القلب بالفعل، لم تُثيرني دراسة مجال ما مثله، وأجد القراءة والإبحار فيه ممتعاً وشائقاً للغاية. لكن ما يقلقني هو الممارسة، هل سأستطيع أن أصمد، وأن أغالب مهنيتي على تأثري؟
والأهم من ذلك، هل سأجد مكاناً تعليمياً جيداً أتعلم فيه، هل سيكون الأمر مُيسَّراً أم سأضطر إلى السفر والغربة؟ هل يُقبل الناس على زيارة طبيب نفسي، أم سيظلون يخشون الوصمة المجتمعية المرتبطة بذلك، ويظلون يترددون بين الشيوخ والمعالجين بالقرآن؟ هل يتقبل أهلي الأمر، أن تكون نهاية سنوات الطب العجاف ألا تصبح ابنتهم طبيبة نساء أو أطفال أو باطنة؟ هذه هي التخصصات الأكثر شيوعاً وتقبُّلاً في بلادي، إلى جانب التخصصات الجراحية بالنسبة للأطباء الذكور.
«ابعدي عن التخصص ده.. ده بتاع المجانين»، «محدش بياخد التخصص ده غير المجانين اللي زيك»، «لو خدتي التخصص ده لا انتي بنت عمي ولا أعرفك»، «خودي نسا أو أطفال هم دول اللي شغالين»، «أنا بدعي ربنا يبعدك عن التخصص ده»، «حرام عليكي تضيعي سبع سنين وفي الآخر تبقي زيك زي بتوع آداب علم نفس وتربية و…»
هذه عينة من التعليقات التي أسمعها من أسرتي، وأهلي، ورفاقي، الذين لا يبدو أن أحداً منهم متحمساً للفكرة. وبين تعليقاتهم المحبطة، وظروف عمل الأطباء المتردية في بلادي، أجدني في حيرة من أمري، تشتد يوماً بعد يوم. ولكن بالنهاية، سواء اخترت ذلك التخصص أم لم أختره، أتمنى حقاً أن يدرك الناس أهمية الطب والصحة النفسية، وأن يأخذ هذا الفرع المهدور حقه وضعه في المكانة التي يستحق،  وألا يتردد المرضى في طلب المساعدة دون خوف، وأن تتوافر تلك المساعدة لغير القادرين، وأن تتوسع حملات التوعية حول الأمراض والاضطرابات النفسية، وطريقة التعامل مع المرضى. وأخيراً، أن يرفق بعضنا بأحوال بعض؛ فالجميع يحارب في معركة لا يعلم الآخر عنها شيئاً، واستقيموا يرحمكم الله.