نهى الصراف - لندن - " وكالة أخبار المرأة "

في الشهر الماضي، أعلنت منظمة الصحة العالمية عن نيتها في إدراج مرض “اضطراب الألعاب الإلكترونية” في الإصدار الأخير من المصنف الدولي للأمراض. ووفق تعريف المنظمة العالمية، فإن الشخص المصاب باضطراب الألعاب الإلكترونية هو الذي يمنح الألعاب الإلكترونية الأولوية في حياته، يأتي ذلك على حساب أساسيات أكثر حيوية تؤثر في حياته العملية والشخصية والاجتماعية، كذلك إصراره على ممارستها رغم التبعات السلبية التي تفرزها.
يجد المصاب باضطراب الألعاب الإلكترونية صعوبة كبيرة في السيطرة والتحكم في الوقت الذي يقضيه أمام ألعاب الفيديو. وتتعاظم مخاوف الآباء بسبب عدم معرفتهم إذا ما كان أبناؤهم من ضمن هذه الفئة المصابة بإدمان الألعاب الإلكترونية أم لا، وجل ما يشغلهم هو السؤال عن عدد الساعات المسموح به لأبنائهم لممارسة هذه الألعاب، من دون أن يؤثر ذلك سلبيا على تعليمهم وصحتهم النفسية.
ويؤكد الأستاذ المساعد في قسم الإدمان السلوكي ومدير وحدة الأبحاث الدولية للألعاب الإلكترونية في قسم علم النفس بجامعة نوتنغهام ترنت، المملكة المتحدة، مارك غريفيث أن الأكثر أهمية من الساعات التي يقضيها الأطفال في ممارسة الألعاب الإلكترونية هو مضمون هذه الألعاب؛ فربما يجد أولياء الأمور في بعض المواد التي تقدمها هذه الألعاب تفاصيل ومحتوى من غير المناسب أن يتعرض لهما الطفل.
ويوصي غريفيث الآباء في حالة اعتراضهم على ذلك بمناقشة الأمر مع أبنائهم وتبيان أهمية التفريق بين الخيال والواقع، مع الحرص على عدم انغماسهم كليا وهوسهم بالألعاب الإلكترونية وأن يحرصوا على أن يوازنوا بينها وبين نشاطات وهوايات وألعاب أخرى يمكن أن يشغلوا بها أوقات فراغهم، مع الأخذ في الاعتبار أن بعض هذه الألعاب يمكن أن تكون ذات محتوى تعليمي يساعدهم على تنويع طرق التفكير وحل المشكلات، كما قد ترفع من مستوى تقديرهم لذواتهم.
من جانب آخر، يمكن لأولياء الأمور أيضا توظيف هذه الألعاب، بالاشتراك مع أطفالهم، ليجعلوا منها نقطة انطلاق لتنمية مواهب ومهارات الرسم والتمثيل وسرد القصص مع مصادر التنويع والتطور الذي تقدمه، إضافة إلى توظيفها في دعم عملية التعليم الأكاديمي. وفي جميع الأحوال، يتوجب وضع حدود زمنية وشروط أخرى مثل إكمال الواجبات المدرسية حتى يمنح الطفل الإذن باللعب.
في حين، يجب عدم إهمال التوصيات التي تضعها شركات تصنيع ألعاب الفيديو ومنها؛ الجلوس بمسافة معينة بعيدا عن الشاشة في غرفة تتوفر فيها إضاءة جيدة، تخفيف حدة سطوع الشاشة والتوقف عن اللعب فورا بعد الإحساس بالتعب.
ويرى مارك غريفيث، من خلال ملاحظاته وأبحاثه في هذا المجال على مدى سنوات، أن ألعاب الفيديو إذا تم التعامل معها بسياق صحيح وباعتدال، فإن فوائدها لا تحصى ولا تعد حيث وجدت بعض الدراسات أن الأطفال الذين ينخرطون في ألعاب الفيديو باعتدال ودون إفراط، يتمتعون بعلاقات صداقة أكثر من غيرهم، كما أنهم يحرصون على أداء واجباتهم المدرسية، إضافة إلى المشاركة في الأنشطة الرياضية المختلفة.
في الوقت الذي تتوفر فيه أدلّة قليلة نسبيا على وجود آثار ضارة على الصحة النفسية والبدنية في حال الانخراط في ألعاب الفيديو بصورة معتدلة وبساعات محددة. في ما يتعلق بالاستخدام المفرط للألعاب الإلكترونية، فإن آثارها الضارة تعد وقتية، بحسب متخصصين، حيث سرعان ما تزول حال تقليص ساعات اللعب، فاللاعبون المفرطون هم الأكثر عرضة لخطر الإصابة بالمشاكل الصحية.
عموما، إذا تم توخي الحذر في طريقة تصميمها وإذا تم وضعها في السياق الصحيح، فإن ألعاب الفيديو يمكن أن توظف كأدوات تدريب في الفصول الدراسية والبرامج العلاجية، كما يمكنها أن توفر مهارات في التنسيق الحركي النفسي وفي محاكاة أحداث الحياة الحقيقية. ويمكن استغلالها في تدريب المجندين للقوات المسلحة.
ويقول غريفيث “أتلقى أسبوعيا العشرات من الرسائل على بريدي الإلكتروني من آباء وأمهات، يزعمون فيها بأن أبناءهم مدمنون على ممارسة الألعاب الإلكترونية واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي. وعندما أسألهم عن السبب في اعتقادهم هذا يجيبون جميعا بأن الأبناء يقضون معظم أوقات فراغهم تقريبا أمام الشاشة. إنهم ببساطة، هذا النوع من الآباء والأمهات الذين يعترضون على سلوك أبنائهم لأنهم يعتقدون بأن ما يفعلونه هو مجرد مضيعة للوقت”.
ويضيف “في العموم، فإني أوجه دائما ثلاثة أسئلة للآباء في ما يتعلق باستخدام أبنائهم للألعاب والكمبيوتر عموما؛ هل يؤثر على واجباتهم المدرسية؟ هل يؤثر على لياقتهم وتربيتهم البدنية؟ هل يؤثر على تطور تفاعلهم وعلاقتهم بأقرانهم؟”. ويوضح غريفيث “في الغالب، يقرر الأهل بأن أيا من هذه الأشياء لم يتأثر، وإذا كان الأمر كذلك، فلا يوجد مبرر منطقي للقلق لكن هذا لا يمنع من وجود بعض التحفظ في ما يتعلق بالوقت الذي يقضيه الطفل أمام الشاشة.
كما يجب أن يضع الآباء في اعتبارهم حقيقة أن هذه هي طريقة عيش وأسلوب حياة أطفال اليوم على وفق ما يشهده العالم من تطورات سواء في المجالات التقنية أو غيرها، وبالتالي يتوجب عليهم أن يدركوا بأن ساعات التعرض الطويلة للشاشة غير ضارة في المطلق، وإن محتوى وسياق استخدام الشاشة أهم بكثير من عدد ساعات الاستخدام”.