القاص والكاتب: عبد الجبار الحمدي - العراق - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

تلد حكايتي... فجأة ودون مقدمات حكمت المحكمة بإدخالي مستشفى الأمراض النفسية دون أن تسمع دفاعِ، حتى المحامي كان مجرد فزاعة لي لا على من صال وجال في قاعة المحكمة، وهو يرى من  يكيل الإتهامات لي وأني اعاني مرض نفسي ومخبول، فكل الذي اوردته من وثائق وبراهين هي مجرد أوهام، وجميع الذين تقدمت بالشكوى ضدهم كانوا  نزهاء وشرفاء، وهم الذين رحبوا بي وتعاطفوا معي كوني مريض نفسيا عندما قالوا:
إننا نعلم أن الضغينة والحسد هما من قاداه لمثل هذا التصرف إن حلمنا عليه ألف عام... مسكين سار وراء من أضاع حياته حتى لحس عقله الجنون وظن ان من زوده بما يكتبه على صفحات جرائد يمكنها ان تحصنه وتجعل منه بطل قوميا، لكن ردة فعل العامة من الناس ونقصد هنا الشرفاء الذين يعرفوننا جيدا والعدالة والقانون الذي نؤمن أثبتت ان كل هذا هو حديث جرائد، اتهامات من قوى أخرى لنيل ممن يهتمون بالمصالح العامة والمسئوليات الجسام التي تقع على عاتقهم.. لذا نطلب الرأفة والاهتمام به و وضعه تحت الرقابة عل وعسى يستعيد عقله الذي فقده... هكذا دارت علي الدوائر ودُفِعَ بي حيت عش المجانين...
ابتلعت لساني كأني أخرس من الصدمة فما أن أدخلت حتى أوردوني على الصعق الكهربائي الذي قيد حركتي وشل لساني، فما سمعت من الطبيب المسئول عن المستشفى إلا... أركنوه مع صحبة زعبول فهو على شاكلته يبدو ان هذه الردهة ستكون وطن العديد ممن هم على شاكلة زعبول...
لا أعلم ماذا يقصد؟ في الأيام الأولى كانت الصعقات الكهربائية التي أتلقاها كثيرة حتى صرت خيال مآته لا أهش ولا أنش... أما زعبول كما عرفت بعد ذلك كنت أراه في كل يوم يمسك بلفافة ورق كان قد طواها متسلقا الكرسي الذي يقبع عليه في وسط الصالة التي يتجمع بها جميع المرضى.. ثم يقوم خاطبا بالجميع دون صوت.. مجرد إشارات وإيمائات يقوم بها تعبر عما في داخله من لواعج، فيعرق تارة ويأخذ انفاسه تارة أخرى، الغريب!!! ان هناك يقف الى جانبه من يناوله كأس من الماء عندما يشعر بالعطش، لا أعلم كيف تدار في رأسه هذه الحركة!؟ لكني اجده يجهد نفسه بشكل يجعل من ينصت الى إشارته كأنه يترجمها بداخلة وذاك أعرفه من التصفيق الحار الذي يناله حتى مني عندما ينهي خطابه بحركة يبدو انهم تعرفوا عليها من مشاهدته...
في ذات يوم نزل من خطبته متوجها نحوي دون سابق إنذار وقد سحب الكرسي الذي أجلس عليه حيث ابتعد عن البقية وقال لي فجأ ولأول مرة أسمع صوته...
زعبول: هيه أنت ما اسمك الحركي وماهي حكايتك؟ لعلك مندس علي حتى تنقل الى الجهات الأمنية الخطب التي ألقيها؟ فإن كنت ابلغ مرؤوسيك ما عاد يهمني ذلك، وقل عن لساني أن زعبول قد شبع من دسائسكم فقد دقت على رأسه الطبول، ما عاد يهتم لقاذوراتكم والمستنقع الذي تعيشون فيه، هنيئا لكم قيادة الرعية كالعجول... قل لهم لقد مزق وأحرق زعبول القرابين التي قدمها الى الله كي ينال منكم بعد ان عجزت البطون عن إنجاب من يكون مثل هتلر يحرق الأخضر واليابس يزيل رقعة الوجود التي لا تؤمن بأن الله يمكن ان يغير ما في النفوس حتى تتغير معالم الحياة... أوضح لهم ما سمعت من خطبتي التي دوت الجماهير الحاضرة لها بالتصفيق لو وعت أن العالم يسير الى الوراء بخطى رتيبة... بعد ان أوحى الله إليهم أن القيم الإنسانية يجب ان تقتل، الشرف، الشجاعة، الغيرة والاخلاق، العدالة، الحق والقيم،  لابد ان تسقط كما أوراق الخريف...هل فهمت يا هذا؟
كنت بالكاد أستطيع ان أتحرك، نظرت إليه وقلت له: إني مثلك زعبول آخر ينضم الى عاصمة الزعابيل التي ترأسها، فلا تضجرني بترهاتك، لقد أكلت من الضرب ما أنساني أسمي، وهذه حقيقة سأكون مواطنا في دولتك هاته يا سيدي يا زعبول، عليك انت وحدك ان تصول وتجول وما علينا سوى أن نصفق لك كما الطائر الطنان حتى يمكنك أن تسمعنا عبارات الذم والهجاء التي أسمعت من أودعوك وأودعونا في هذا المصيف المزعبل... الا ترى أننا يمكن ان نصنع لأنفسنا هالة من المباديء والقيم، إن هلوستك الصامتة أسمعت من به صمم يا زعبول وأجدني أحد الذي أنصتوا لقولك وفهموا ماذا تريد وما تعني بهيجان زفد فمك الذي أخرجت كموجة بحر عات؟ إني معك وإن كنت لا أريد الأنخراط ساعة مجدك تلك، ولا أخفيك إشعر أني حبة رمل فيها كما حبات الرمل في ساعة رملية ننساب وإياك منخرطين دون الإحساس بأننا قد قتلنا الوقت بأيدينا بعد ان عبرنا من مضيق الى علم جديد، ما ان تقلبه يد السلطة حتى نعيد أنفسنا بالحراك والتسابق على من يدخل نفس المضيق ظنا أنه سينجو من واقع إن قلبته وأن أبقيته هو نفس العالم الوهمي الذي عليك ان تحياه وتعيش فيه دون إرادتك او طموحك...  إني يا زعبول قد ولجت عالمك دون إرادتي مثل حبة الرمل تلك التي اختلطت مع باقي الرمال حيث أولجونا فيها لنتذكر أننا مهما تطورنا فنحن ابناء الصحراء والجاهلية حيث الربع الخراب والرمال السائبة التي نطأها بإرادتنا بحثا عن حقيقة الوجود؟ إني يا زعبول لا أسبب لك أزعاجا ولكن اسمح لي بأن ألقي كلمة ترحيب تتضمن شكواي كي يفهم عالم الزعابيل أن الزعبول الجديد هو من أمم أماثلهم قادته الحقيقة لأن يكون ضمن الزعابيل التي تنبح والقافلة تسير بكل ما تحمل...
زعبول: يبدو أنك تريد السيطرة على مكانتي بين هذه الثلة من الزعابيل، لا أبقاني الوقت إن ابقيتك كزعبول مندس مخرب، هيا خذ قرابينك التي تريد ان تطرحها لسادن الزعبلة ذاك مشيرا الى الواقف قرب الكرسي وأنجو بنفسك، وإلا سأحملك وأجعل منك عبرة لجميع الزعابيل الذين أرادوا نيل كرسي الخطابة... يبدو أنك تجهل أهميته، إنه حلقة الوصل الرئيس بين جميع المتزعبلين الذي يصدقون أن يتغيروا بما يسمعوا عنه، رغم إدراكهم أنهم لا يفقهون سوى الرثاء والبكاء وهز الرؤس ثم يتابكون على انفسهم بحجة المظلومية والحرمان... إني يا هذا اسيطر على عقول من طأطؤها مجبرين، فعالمي هذا لا يكلف سوى خطبة أغزل غزلا كي ألبسه في ادمغة بُرمِجت ان تسير حيث لا تعي... لكن سأرأف بك ولا اثير الجلبة عليك من بقية الزعابيل بل سأجعلك مقرب مني كذاك السادن وأصيغ لك عنوان مستشار حتى لا تعيث فسادا وتغير من صناعتي لتلك الرؤوس التي تشهق إلي حين ألقي خطبتي عن الوجود كزعبول يعي أن العيش في عالم السلطة بعدالة وشرف مثل العيش في عالم الملاك بين قوم لوط.. أيقنت حينها أننا سواء بكامل قوانا العقلية ام مجانين نشدو محبين للسلطة سواء زعابيل كنا ام مردة شياطين.