الدكتورة : سناء أبو شرار - الأردن - " خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

من يبحث عن الحكمة لن يجدها في دروب السعادة.
فالحكمة موطنها الجبال الشاهقة لا الدروب السهلة.
لكلٍ منا قصة أو حكاية، رواية أو ديوان شعر، لكل منا كلمات إن لم يكتبها سطوراً على الأوراق فقد كتبها أنفاساً في الصدور وذكريات في العقول وكذلك همسات في القلوب.
فجزء من بشريتنا هي هذه القصص والروايات والأشعار والحكايات التي نقصها على الآخرين أو لأنفسنا والتي تُسعدنا أو تشق حفر صغيرة ممتلئة بالدموع في قلوبنا، فتصبح قلوبنا أرض متشققة، بها المنبسط، وبها الوعر الممتلئ بالدموع المالحة وبها أيضاً الجداول العذبة التي قد تستطيع أو لا تستطيع أن تُزيل الحفر المالحة وتغطيها بالمياه العذبة الشفافة؛ منا من يطهر قلبه وروحه من ما تركه الآخرين من شوك وملح، ومنا من يراكم الآثار والأحداث إلى أن تتحول ذاته إلى بحيرة قاتمة راكدة لن تستطيع أبداً المياه الرقيقة النقية أن تطهرها.
أما قصصنا عن الإيمان فمن النادر أن نتحدث عنها، ربما لأنها حدث بديهي في حياة كل منا، وربما لأنها تقليدية ومكررة؛ ولكننا لا ندرك أن جميع قصص الحياة العادية ليست سوى قصاصات من الأوراق التي لا تلبث أن تذروها الرياح، وأن من أحببنا بالأمس قد نبغضه اليوم، وأن ما أسعدنا في الماضي قد يحزننا الآن، أو ما أحزننا في الماضي قد يُضحكنا اليوم؛ وإن أردنا فعلاً رسم صورة لقصص حياتنا فلنصعد إلى سطح عمارةٍ ما ونُلقي بقطع الأوراق الممزقة ونرى كيف أنها تتطاير بالهواء وبعد حين لا يبقى لها أثر، تماماً مثل مرورنا في الحياة، تماماً مثل وجودنا، نحمل أوراقنا الثقيلة والكثيرة ونعتقد بأنها كل الوجود وأن كل منا هو مركز الكون ولكن الحقيقة هي أن كل هذه الأوراق سوف تتبعثر وتتطاير وتتلاشي لكي يأتي بعدها أوراق أخرى لأشخاصٍ آخرين. ولكن قصة وحيدة تبقى ولا تفني حتي بعد الموت إنها قصة كل منا مع الإيمان، سواء قبول الإيمان أو رفضه.
قالت لي بوجهها الهادئ: ( لقد مررت بظروف صعبة، عرفت المرض والتعب، الغربة والألم، فراق الأبناء والأحفاد، وكأن كل ما حولي ليس سوى كرة بلورية مُتصدعة توشك أن تنهار لتتحول إلى شظايا تجرح كل من يلمسها؛ سكن الغضب بروحي والحقد بقلبي، فلماذا أنا؟ لماذا كل هذه المصاعب والمصائب تحل بي؟ لماذا...وإلى متى...؟ رافقني ذلك السخط والغضب لسنوات أتحرر منه أحياناً ويحتلني غالباً. ولكنني وفي لحظة ما فهمت، في لحظة ما أدركت أن هناك شيء ما وراء كل هذا. آخر موقف صعب كان حين قال لي الطبيب بأنني ربما مصابة بالسرطان وأنه لابد من اجراء فحص تظهر نتيجته بعد أسبوع؛ خرجت من عيادة الطبيب هائمة على وجهي، وأول ما تذكرت هو صديقتي التي لا يفارقها القرآن، أسرعت لها وطلبت منها نسخة من القرآن، وكانت تلك أول مرة أفتح بها القرآن، بل أول مرة ألمس بها القرآن، لم أتوقف عن قراءته طوال الأسبوع؛ وحين أتى موعدي مع الطبيب أخذت كتاب الله معي، نظر لي الطبيب مُحرجاً وقال: آسف، لقد أخطأت بالتشخيص، أنت سليمة معافاة.
لم أسمع كلمات اعتذاره، خرجت أمشي في الشوارع، ولأول مرة في حياتي أعرف ما معنى الإيمان، لأول مرة أشعر بذلك الدفء الإلهي يحيطني، لأول مرة أشعر بأن كل تلك الصعوبات والمعاناة كانت مدرستي الصغيرة التي قادتني لهذا الإيمان؛ كل تلك المحن جعلتني أدرك مدى ضعفي وحاجتي لله. أعرف بأنها قد تكون قصة عادية ولكن حين أرى حزن الناس وألمهم وهم لا يعرفون كيف يواجهون تلك المواقف الصعبة، أرغب بأن أقول لكل منهم، أنت في مدرسة الإيمان، فإن لم تقودك الصعوبات إلى طريق الإيمان، فلن تجد روحك السكينة، فنحن لا نحيا لأجل أن نكون سعداء، نحن نحيا لنعلم ونتعلم، لنفهم وندرك، لنجد زهرة الحكمة بين الأشواك.)
انتهت المقابلة القصيرة وغادرت بهدوء، وجلست للحظات أفكر بكل كلمة قالتها لي، وشعرت بخفقان قلبي لسماع تلك القصة التي لا تشبه قصصنا حول الحب والزواج والأولاد؛ إنها قصة الحب لله وعشق الإيمان وإيجاد النفس والروح مع كلمات الله تعالى، قصة نرويها في الحياة وترافقنا بعد الحياة، قصة الإيمان هي القصة الوحيدة الأبدية والأزلية في وجودنا وما عداها ليس سوى سراب في صحراء شاسعة لا حدود لها، كل منا يركض وراء سرابه وننسى أن الواحة الوحيدة الحقيقية بهذه الصحراء هي من كنا مع الإيمان وماذا أخذنا منه وماذا فعلنا به وكيف وجدناه أو كيف أضعناه.