محمود زكي - القاهرة - " وكالة أخبار المرأة "

رصدت دراسة حديثة حول أنماط الزواج، صدرت عن معهد الأبحاث “ستاتيك بريتن” بالتعاون مع جامعة “فيرغسون كوليدج” أن هناك تناميا ملحوظا للزواج المدبر عالميا على حساب الزواج عن حب أو الزواج التقليدي، بعد أن وصلت نسبته في العام 2017 إلى 35 بالمئة حول العالم. وأقرت الدراسة أن هذا النوع من الزواج هو الأنجح على الإطلاق، لأن نسبة الطلاق فيه لا تتجاوز 6 بالمئة.
وقسّمت الدراسة التي جرت في بعض الدول الأوروبية الشرائح البحثية، بحسب الجنسية أو أصل النشأة. وجاءت الأصول الهندية الباكستانية في المركز الأول كأكثر فئة تتبنى مفهوم الزيجة المدبرة تليها الجاليات العربية ثم أصحاب الأصول اللاتينية.
ويظن الكثير من الشباب والفتيات أن الزواج المدبر، يعني الزواج الكلاسيكي القائم على التوافق بين شخصين بدافع تكوين أسرة، وهو مفهوم خاطئ، لأنّ هناك فرقا جوهريا بين النمطين. فإذا كان الزواج التقليدي والمدبر يتفقان على وجود خطة لتدبير زيجة لا تقوم على التعارف الطبيعي أو الحب، فإن الزواج المدبر يقوم على البراغماتية الصارمة، أي أنه زواج يحقق منفعة مشتركة للطرفين ويختلف عن الإطار الأسري المعروف للارتباط. وظل الزواج المدبر يقدم على مدار عقود طويلة باعتباره زواجا سيء السمعة، لأنه يخلق ارتباطا اجتماعيا غير صحي، يقوم على المصلحة بالأساس، ولا يعبر عن فكرة المودة والمحبة والوئام في الحياة بين شريكين يكونان أسرة خاصة بهما.
ومع صعود موجات الهجرة إلى الغرب في بداية الثمانينات من القرن الماضي، أضحى الزواج المدبر أكثر انتشارا بين المهاجرين الباحثين عن إقامة شرعية في البلاد الجديدة والمواطنين الغربيين الذين تختلف أسباب ارتباطهم بين البحث عن الجنس والإنجاب والزواج من رجال صغار السن.
وانتقل الزواج المدبر بصورة قبيحة إلى الكثير من الشرائح الأخرى، وبات جزءا من العقلية العربية، كما تؤكد الدراسة. ولم يعد زواج المصلحة مقتصرا على الهجرة، وأصبح قابعا في الكثير من المجتمعات المحلية وبين الطبقات الغنية والفقيرة.
وتتنوع أسباب هذا الزواج، بداية من البحث عن زيجة تدرّ مكسبا ماديا على الرجل أو المرأة، عندما يكون أحد الطرفين غنيا، أو عبر توافق عائلي لصناعة سلام حذر في المناطق القبلية أو غيرها من أسباب حملت أهدافا مادية بحتة.
ويقول أحمد عطاالله، رجل في نهاية عقد الأربعينات، تزوج قبل خمسة أعوام من سيدة تصغره بأكثر من عشر سنوات، “ارتبطت بغرض الإنجاب، ولا أخجل من ذكر ذلك، فلا عيب في الاعتراف بالحقيقة بدلا من ذكر أسباب واهية لن تجدي”. وأوضح لـ”العرب” أن تأخره في الزواج دفعه إلى البحث عن سيدة لها مواصفات معينة، ولم ينظر إلى الجمال أو النسب، ولم يهتم بفكرة الحب، كل ما شغله أن يصبح أبا لطفل أو أكثر قبل أن يمرّ العمر به سريعا.
ويؤكد أنه يجب عدم الشعور بالخزي من الزواج المدبر، فهو على عكس المتوقع، “يحقق شراكة ناجحة بين الزوجين، ويقوم على أهداف وقواعد وأغراض واضحة لا تحتمل الالتباس”.
وعلى الرغم من اعتراف عطاالله بغياب مشاعر الحب بينه وبين زوجته، لكنه أشار إلى أن مشاعر الحب مؤقتة وتزول مع الوقت بين الرجل والمرأة، ويبقى الهدف في النهاية التي تقوم عليه الأسرة وهو استكمال أطوار الحياة من أجل تربية الأبناء تربية سليمة، لذلك ينجح الزواج المدبر أكثر من أي نوع آخر من الارتباطات الزوجية، لأنه مجرد من العواطف التي تضعف الروابط، وتسبب آلاما كثيرة لأصحابها.
ويتعرض الزواج القائم على المصلحة لهجوم بسبب إدراجه دوما تحت مفهوم انتهاك الحرية الشخصية عند إجبار العائلة للمرأة في أغلب الحالات والرجل في بعض الأحيان، على الارتباط لتحقيق منفعة أسرية، كالتزاوج بين المال والسلطة من أجل حماية الثروة من الانتقاص أو زيادتها عبر تحقيق المزيد من النفوذ، وهي حالة متكررة في المجتمعات العربية.
وتزيد حدة انتقادات الزواج المدبر في الأرياف، عندما يصبح الزواج المدبر زواجا بالإكراه، كزواج القاصرات بسبب فقر العائلة أو الزواج لإنهاء خلاف بين عائلتين، أو بغرض التغطية على جرائم الشرف. وهي الدرجة الأسوأ من الزيجات بعد أن استبدلت حق اختيار شريك الحياة، بآخر اضطراري يفتقد لأبسط المشاعر الإنسانية.
ويلفت أستاذ علم الاجتماع، خالد فتوح، إلى أن الأرقام تعكس نجاح الزواج المدبر، لكن لا تشرح ولا تهتم بالجانب النفسي والاجتماعي للزوج والزوجة أو الأبناء بعد ذلك. ويكشف أن الكثير من الناس يرون الزواج المدبر، كارتباط منسلخ عن أدنى وأبسط درجات مشاعر الحب والاحترام.
ويضيف فتوح أن هذا النوع من الزواج، “يعبر عن خلل في التوازن الاجتماعي للأسرة، ولا يجب التعامل معه على أنه قائم على الاختيار، وهو نتاج التدهور الاجتماعي والاقتصادي والتعليمي، وعلاجه ضرورة لإصلاح عوج المجتمعات”.
يطرح غياب مفهوم السعادة لدى الكثير من المتزوجين بشكل مدبر النقاش حول كيفية إقامة أسرة دون أدنى درجات الرضا. وأوضحت فاتن عبدربه، سيدة مصرية اختارت الزواج من شاب يعمل في دولة أجنبية، أن صعوبة الحياة وتأخر سن الزواج بسبب الأزمات الاجتماعية الراهنة جعلا الكثير من الفتيات يتناسين فكرة البحث عن فارس الأحلام الذي يقدم لهن حياة مفعمة بالحب والسعادة.
وأشارت إلى أنه لم يعد التحدي الحقيقي عند الزواج إيجاد شريك الحياة القادر على تقديم احتياجات نفسية للطرف الآخر، لكن سدّ الحاجة الأساسية للحياة هو الذي بات الهدف الأول للجميع.
ويرى خبراء أن انتشار الزواج المدبر يعني أن هناك تغيرات مجتمعية مقلقة باعتباره من العلامات غير الطبيعية ويحتاج إلى توعية المقبلين على الزواج وكذلك الأسر التي تعتقد أنها توفر مستقبلا أفضل لأبنائها بتدبير مثل هذه الزيجات.