سلمى جمال - القاهرة - " وكالة أخبار المرأة "

 يجد الشريك السليم نفسه بعد مرض زوجه وقد أُلقيت على عاتقه مسؤولية جديدة أضيفت إلى واجباته المعتادة تتمثل في المساعدة أو العناية بزوجه ويواجه وضعا لم يفكر فيه عند الارتباط، وضع يفرض نمط معيشة طارئ على الأسرة بأكملها، ويعيد ترتيب المهام وتوزيع الأدوار. هذا الارتباك يجعل بعض الأزواج يفكرون في الاختيار بين مواصلة علاقتهم الزوجية وبين الهروب من الحمل الجديد.
تقول ابتسام، موظفة في إحدى الوزارات، “كنا أنا وزوجي وأطفالي الاثنان نعيش حياة جميلة، فجأة أصيب زوجي بمرض في الكبد ولم يكن العلاج متوفرا كما يلزم، وقال لي الأطباء إن الكبد تليف والمرض بات في مرحلة متقدمة، لكنني لم أيأس ولم أبتعد عنه. كنت أعمل وظائف إضافية حتى أوفر له سعر الدواء ومصاريف العلاج. وفي نهاية الأمر، توفي وكنت بجواره دائما أواسيه وأشجعه على مقاومة المرض… واليوم تحملت مسؤولية ابني لوحدي”.
ويروي عصام بهاء، باحث في الطاقة الذرية، حكايته “تعرضت لحادث سيارة أقعدني في السرير، وأكد لي الأطباء أنني لن أستطيع الوقوف على قدمي لأن عظام قدمي تضررت تماما، ولكنني لم أعش حالة الصدمة والإحباط والحزن على حالي لوحدي فقد كانت زوجتي تساندني دائما؛ وهي التي تعتني بي من الناحية الصحية وتعلمت الكثير من مهام الممرضات. كما كانت تؤنسني أو تحاول الرفع من معنوياتي”، ويضيف “كانت تأخذني على الكرسي إلى الخارج ويساعدها أبنائي الكبار وتقود السيارة وأنا بجوارها ونتجول في أماكن كثيرة، وبعد فترة تمكن الأطباء من إيجاد حل لوضعي الصحي وأجريت عملية جراحية كللت بالنجاح واستطعت أن أمشي وأتابع حياتي وأذهب إلى عملي، وشعرت بالسعادة والامتنان لزوجتي”.
ومن جانبه يتحدث أحمد رشدي، مهندس إنشاءات، عن تجربته موضحا “أحببت زميلتي في الجامعة وتزوجنا، وكانت لدينا مشكلات في الإنجاب، ولكن زوجتي أصرّت على أنها لا تهتم وتحبني أكثر من إحساسها بالأمومة، وسافرنا معا كثيرا وعشنا سنوات مليئة بالحب، وتعرضت ذات يوم لحادث في العمل وانكسرت ساقي وأصبحت عاجزا عن الحركة، وفي النهاية أصبحت على كرسي المقعدين. وبعد أكثر من سنة سئمت زوجتي من حالتي وطلبت الطلاق وتزوجت رجلا آخر وأنجبت منه أطفالا.. تخلت عني بكل بساطة ما أكد لي أنها لم تكن تحبني حقيقة”.
ويقول استشاري طب العظام، نادر جمعة، “كان في قسم العظام رجل سبعيني يعاني من هشاشة العظام وبعد سقوطه من فوق الدرج صارت له إصابات مضاعفة. وكلما كشفت عليه وجدته في حالة معنوية مرتفعة. تأتي زوجته وأولاده وأحفاده يوميا يتحدث معهم ويضحك فكانت حالته النفسية عالية”.
ويؤكد أنه عرف أن سر الوضع النفسي المتوازن لهذا المسن وقدرته على التفاؤل ومواجهته لمرضه كان وقوف زوجته دائما بجانبه ومعاملتها الراقية له وهي تردد “ليس لديّ سواه في الحياة”. زوجته كانت تتغلب على التشاؤم واليأس اللذين يشعر بهما أحيانا، وتبعث فيه الأمل ولم تتركه حتى غادر المستشفى معافى.
ويعتبر أستاذ الدراسات الاجتماعية بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية بالقاهرة أحمد أبوستيت، أن المجتمع العربي والعلاقات الأسرية لهما سمات خاصة؛ فليس من السهل على الزوج أو الزوجة التخلي عن بعضهما حتى في حال أقعد المرض أحدهما، وتلك صفات نابعة من مبادئ وتقاليد المجتمع العربي ومرتبطة بثقافته وقيمه الدينية، لكن هذا لا ينفي وجود حالات نجد فيها أن الزوجة تضيق من مرض زوجها وتتخلى عنه أو تنفصل بالطلاق أو العكس إذا كانت هي المريضة، وخصوصا إذا كان الشريك السليم في مرحلة الشباب. وهذه الحالات تكشف أن العلاقة أساسا لم تكن سليمة وعلى رابط قوي.
ويرى أستاذ الطب النفسي حمدي عامر أنه في حياتنا تصادفنا قصص كثيرة قائمة على التضحية والعطاء بين الزوجين والكثير من زوار عيادة الطب النفسي يشكون من إهمال الآخرين لهم وعدم الاهتمام بهم خصوصا أثناء المرض.
ويردف عامر “زار عيادتي أحد الأزواج الذي كان يعاني من الوحدة والإحساس بالضياع، ورغم أنه موظف براتب محترم يعيش حياة كريمة مع زوجته، إلا أن زوجته طبيبة نساء وليس لديها الوقت الكافي لتكون بجواره. تقاعد الرجل وأصبح يجلس في البيت وحيدا ومازالت زوجته في عملها وكل ما تقوم به في البيت هو إعداد الوجبات وأعمال البيت ولا تهتم بمشاعر زوجها، رغم أن الرجل لم يصب بمرض يجعله عبئا عليها إلا أنها أهملته ووجد نفسه في وحدة قاتلة”.
ويتابع المختص النفسي “نصحت هذا الزوج بأن يشغل نفسه بهواية من الهوايات ويُكوّن أصدقاء ويذهب إلى النادي ويمارس الرياضة والقراءة والتقارب مع أولاده وأحفاده، وطلبت من الزوجة أن تقترب من زوجها وتتفاعل معه؛ فالحياة ليست مجرد جمع المال وإهمال كل شيء”. لكن يظل التخلي عن الشريك في أزمة المرض أمر يستنكره غالبية الناس.