سعاد محفوظ - القاهرة - " وكالة أخبار المرأة "

منذ الوهلة الأولى لإنجاب الطفل، يسعى الآباء والأمهات إلى توفير كافة الرعاية له، وتلبية مطالبه في سبيل الحصول على السعادة، التي تغمر العائلة بفرحته، ومع مرور الوقت، وتقدم الطفل في المراحل العمرية تتحوّل تلك الرعاية، وذلك التدليل إلى نوع من الضرر بالطفل، حيث تختلف احتياجاته مع نموه؛ فتتنوّع المشاعر والأحاسيس بين الآباء، والأبناء ما بين الحب، والعطف الزائد، من جهة الوالدين والإحساس بالضغط وعدم تحمل المسؤولية من جهة الأبناء.
أظهرت العديد من التجارب والدراسات العلمية أن الحب الزائد قد يوصل الوالدين إلى تدمير حياة الأبناء دون وعي أو قصد، وفي العائلات العربية تلقى الفتاة اهتماما زائدا ومن نوع خاص، حيث يتصور الآباء أنهم بحرمانها من نصيب ولو ضئيل من الحرية، سواء في اللباس أو في الخروج مع الأصدقاء أو في اختيار علاقاتها الاجتماعية، يحمونها من التعرض للعديد من المشكلات ويجنبونها الوقوع في الأخطاء.
بعض الآباء أوصلوا بناتهم إلى سن العنوسة؛ بسبب عدم تقبلهم ليخضن تجارب التعارف أو التجارب العاطفية أو لأنهم لا يسمحون لهن باختيار شريك الحياة الذي يرغبن فيه بل يتدخلون ويختارون هم الزوج ويحددون قبول أو رفض الارتباط. وهناك من الآباء من يشترطون أن تتوفر مواصفات خاصة في المتقدم للزواج بابنتهم التي لا نظير لها في أنظارهم، وعلى الجانب الآخر هناك نوع من الآباء يُفرٍط في الإهمال في رعاية الفتاة حتى تصاب ابنته بالعقد، فتوافق على أول عريس يتقدم لخطبتها دون أن تشعر، هربا من مشاعرها بالإهمال عندما كبرت وانتهت فترة الدلال مع الطفولة.
وتصرح العديد من الفتيات اللاتي لم ينجحن في العلاقات والحياة العاطفية أو في الارتباط بأنهن ضحايا لآبائهن وللمعاملة غير السوية من طرفهم. وتتحدث منال، وهي الابنة الوحيدة لوالدها، عن تجربتها وتقول إنه بعدما توفيت الأم وتركتها رضيعة انصبت كل مشاعر الحب لدى الأب نحوها؛ فكان يحبها حبا شديدا؛ وطلباتها أوامر، ولم تتحمّل مسؤولية في يوم من الأيام؛ فنشأت مدللة مرهفة، حتى تزوجت.
وبعد الزواج طالبت منال العريس أن يعاملها مثلما كان والدها يعاملها، وأن يلبي لها كافة طلباتها بغض النظر عن قدرته، وكانت النتيجة الطلاق بعد شهر.
من جانبها تقول منى وهي فتاة تعتبر أن والدها سبب عنوستها “والدي يحبني كثيرا فأنا البنت الكبرى، التي مثلت فرحة والدين فقدا أول مولود لهما، لذا فلقد أحباني بشدة، وأفرطا في تدليلي، وكان والدي يلبي كل طلباتي بشكل خاص”، وتوضح “كنت في البداية سعيدة بتعلق والدي بي، ولكنني مع الوقت شعرت وكأنني محاصرة بهذا الحب، خاصة حينما وجدته ينفر من صديقاتي، وتعلقي الشديد بهن، فعندما يحضرن لمنزلي يعاملهن بكل برود حتى امتنعن في النهاية عن زيارتي، وكان يبرر ذلك بخوفه على مصلحتي”.
وتضيف منى “ازداد الأمر سوءا بعد أن اتجه والدي إلى رفض كل شخص يتقدم لخطبتي، فيبالغ في الشروط بدرجة قد تفوق العقل، وتعجّز من يرغب في الزواج مني، وأخبر أمي بأنه لن يسمح لأي مخلوق سواه بالتدخل في حياتي”.
أما تجربة سوسن فتقدم وجها آخر لمبالغة الآباء في حب بناتهم وتقول ” مشكلتي أنني أحب والدي بشدة، واعتبره دائما قدوة لي، فقد نشأت على حبه لي، ورعايته واهتمامه بي وتعلقت به لأنني لا أعتبره كوالد فقط، ولكنه بالنسبة لي الأب والصديق في نفس الوقت، فلا أخفي عنه أي شيء من أمور حياتي اليومية، لذا أصبحت أقارن بين أي شخص يحاول التقرب مني بوالدي، ونظرا لتلك المقارنة لم أجد الشخص الذي أرى فيه والدي حتى الآن، والذي يغمرني بنفس الحب، والعطف، والحنان والاهتمام الذي وهبني إياه أبي، وهذه هي المشكلة التي أوقفت حياتي، فلم أتمكن من الزواج إلى أن كبرت”.
ويفسر أستاذ علم النفس، سيد صبحي هذا النوع من العلاقات بين الآباء والأبناء معتبرا “أنه من المعروف أن شخصية الأب تؤثر على البنت تأثيرا كبيرا، وينعكس ذلك التأثير في بعض الأحيان بشكل سلبي على الفتاة”.
ويشير المختص النفسي إلى أن خوف الآباء الزائد على بناتهم، قد يتحول عند البعض إلى مرض ينصب على شخصية الفتاة، فلا يحمّلها المسؤولية، ويدللها إلى درجة يصبح تعودها على الدلال مشكلة عندما تصل إلى سن الزواج، فبعض الآباء ترتفع لديهم حالة الحب الزائد لبناتهم، إلى درجة أنهم يرفضون زواجها، وبعضهم يذهب إلى التفكير في الإبقاء على ابنته في البيت.
وينصح صبحي بضرورة توجه الآباء الذين يعانون من حب أو خوف مرضي على بناتهم إلى العلاج النفسي، حتى لا يقضوا على مستقبل البنت.