حذام خريف - تونس - " وكالة أخبار المرأة "

يوم 8 مارس من كل سنة، يحتفل العالم، بعيد المرأة. وككل سنة تعودنا على الوقوف لمراجعة ما تحقق وجرد التقارير الصادرة بالمناسبة؛ وإن كان هذا الاحتفال يرسخ في جانب منه فكرة المرأة “بدرجة أدنى” من الرجل، حيث يهدف الاحتفال إلى الاحتفاء بالمرأة والتأكيد على احترامها لما تقوم به من إنجازات، أي أن ما تقوم به هو “خرق” للمألوف، والأمر “تميز″ وليس حقا كما حال الرجل.
خلال مراجعة ما سنشتغل عليه ومتابعة ما صدر بالمناسبة، لم نجد اختلافا كبيرا عما قيل السنة الماضية وما قبلها. تقريبا، نفس الشعارات والمطالب والتقارير المغرقة في التشاؤم عن حقوق المرأة. لكن لماذا نبحث عن المثاليات في عوالم واسعة تضيع فيها التفاصيل في حين أن هناك تجارب قريبة منا ونعيشها تعكس الجانب الآخر للميدالية؛ جانب قد لا يصنع فرقا كبيرا على مستوى موسّع، لكنه يبقى واقعا.
اخترت هذه السنة أن أضيّق الدائرة وأنظر إلى نصف الكأس الملآنة، وأحتفل بالمرأة العاملة في صحيفة “العرب”. في الحقيقة الفضل في الفكرة يعود إلى زميلتنا، بمكتب لندن، حيث دار بيننا حوار طريف، بدأ بسؤال غريب: هل حقا في مكتب “العرب” بتونس الإناث أكثر من الذكور؟
استغربت السؤال لأني لم أنتبه إلى الأمر فعلا، ولم أكن لأنتبه أو حتى ليثير اهتمامي لأنه أمر عادي وطبيعي أن نجد بتونس في مؤسسة عمومية أو خاصة أو في قسم مدرسي أو جامعي غلبة عدد الإناث على الذكور.
الطريف أن هذا الأمر تحوّل إلى “ميزة” لمكتب تونس عندما توسع الحديث ليشمل كل الحاضرين حينها في مكتب لندن. لم نقصد هذا التمييز لا في مكتب تونس ولا في مكتب لندن أو في أيّ من مكاتب “العرب” الأخرى. هو واقع تفرضه ظروف وأسباب كثيرة محيطة.
تدخل عقلية المؤسسة في بعض هذه الأسباب، حيث لا يأتي جنس الموظف كأحد شروط التوظيف، مهما كانت الوظيفة التي سيشغلها، لأن هذا أمر تحدده الكفاءة والتميز العلمي والأخلاقي والكفاءة المهنية، ولا فرق في ذلك بين موظف أو موظفة، الأمر الذي يفسر وجود نساء في مراكز قيادية في مختلف الأقسام بجريدة “العرب”.
هناك أسباب أخرى، بعضها يرتبط بثقافة البلد والتكوين والمجتمع عموما. ربما لو أردنا أن نعطي ميزة لمكتب لندن مثلا لقلنا إنه “متعدد الجنسيات”، أما مكتب تونس فقد اكتسب بطول الوقت البصمة التونسية، وفي أدق التفاصيل لا فقط على مستوى حضور الإناث مقابل الذكور، بل من حيث المشاركة والأدوار، وحتى على مستوى الفجوة في الأجور، حيث تتحقق المساواة بشكل تام بين الموظفين دون استثناءات “جنسية” متجاوزين حتى بعض الدول الغربية.
هذا التقييم جعلنا نفكر في شعارات عيد المرأة بشكل مختلف، وننظر إلى فكرة المساواة بعين أخرى، هي عين الواقع المحيط لا بما نسمعه من تنظير ونقرأه من تقارير قادمة من كل صوب، فالسلبي والإيجابي موجود في كل المجتمعات. المرأة في أميركا وبريطانيا ليست أفضل حالا من المرأة العربية أو الأفريقية، في الكثير من الأحوال. أحدث الدراسات تؤكد أن المرأة تحتل مركزا متأخرا في ما يتعلق بوضعها في أماكن العمل.
لا يعني ذلك أن الوضع ممتاز والحياة وردية ونمثل الاستثناء، فالأمثلة الشبيهة كثيرة في تونس وغيرها،  ولا يعني ذلك أيضا أن نلغي الحقائق التي تؤكدها التقارير الحقوقية بشأن وضع النساء السيء في العالم ما يتعرض له من ظلم. لكن، ما يجب أن نلغيه هو ثقافة التشاؤم وثقافة المثاليات. علينا أن ننظر لما حولنا ونبدأ بأنفسنا ونبحث عن الإيجابي فينا.
اليوم، هناك من يندهش عندما يعلم أن المرأة تتقاضى أقل من الرجل في الدول الغربية، حتى لو كانا في نفس المرتبة الوظيفية، ويستغرب البعض التقارير التي تقول إن العالم المتقدم ما زال متأخرا على مستوى تمثيل المرأة ومزاياها الاجتماعية وتحقيق المساواة خصوصا في أماكن العمل.
المساواة هي واقع ينطلق من ثقافتنا وممارساتنا وتعاملنا وعقلياتنا، وإذا عدنا إلى مثالنا نجدها تتجسد في الحوارات التي ترتكز على الفكر والاطلاع والخبرة؛ العمل يقسم على نفس الأساس؛ لا فرق بين صحافي أو صحافية إلّا بما يقدمه كلّ منهما.
هذا الواقع نجده في تفصيل صغير، عندما تضطر زميلة إلى العمل لوقت إضافي، فيتولّى زوجها أمر الاهتمام بالأولاد واستلامهم من الحضانة، وتدبّر شؤونهم بعد يوم كامل في المدرسة. قد يجادل البعض بأنه واجبه ويقول آخرون إن أغلب الرجال يقومون بذلك.
نعم، وهذا هو المطلوب، أن نعترف بأن هناك تعاون، وبالتالي ننظر إلى الجانب الإيجابي، وننقله دون تكليف إلى الأجيال الناشئة، فعلا لا شعارات. بهذا الاعتراف والممارسة “العادية” ننشئ أولادنا تلقائيا على التشارك والتفاهم والمساواة وكل ما ينادي به الحقوقيون، لن نحتاج حينها إلى قوانين تحوّل الاعتراف بالحق إلى “فضل”.