" وكالة أخبار المرأة "

على الرغم من أن الزعماء الدينيين في العالم والأكثر تأثيرا في التاريخ هم من الرجال فإن النساء يسيطرن على الصفوف الأولى للأكثر إيمانا وتدينا وتأدية للصلوات في مختلف الديانات، فتميل النساء ليكن أكثر تدينا من الرجال في جميع دول العالم تقريبا، ويظهر مسح استقصائي أجري في أميركا اختلافا كبيرا يبلغ 12 نقطة بين الجنسين من حيث التدين.
وعلى الرغم من التغيرات الاجتماعية الواسعة وتحولات دور الجنسين في العقود الأخيرة لا تزال الفجوة الدينية بين الجنسين قائمة في العديد من المجتمعات، وللمساهمة في حل اللغز جمع منتدى بيو للأبحاث (PewForum.org) بيانات موسعة عن النوع الاجتماعي والدين في ست مجموعات دينية مختلفة (مسيحيون، مسلمون، بوذيون، هندوس، يهود، غير منتسبين لدين) عبر عشرات الدول، وتم جمع بيانات عن الانتماء في 192 دولة من خلال الدراسات الاستقصائية السكانية العامة وبيانات عن المعتقدات والممارسات الدينية بين عامي 2008 و2015.
النساء لا يملن للإلحاد
تشير التقديرات إلى أن 83.4% من النساء في جميع أنحاء العالم ينتمين لمجموعات دينية مقارنة بنسبة 79.9% من الرجال.
ووفقا لتحليل مركز بيو للأبحاث، فإن الفجوة التي تقدر بـ3.5 نقطة تعني أن ما يقدر بنحو 97 مليون امرأة حول العالم -أكثر من الرجال- ينتمين لدين.
وفي استطلاع رأي عام 2012 تخطى الذكور الإناث عندما تعلق الأمر بالإلحاد واللا أدرية، ففي الولايات المتحدة تزيد نسبة الملحدين من الذكور بنحو 5% عن الإناث على الرغم من أنهن يشكلن الأغلبية العددية، وتزيد النسبة في روسيا حتى 3%، وفي سويسرا تبلغ 2%.
الرجال لا يفضلون الذهاب للكنائس
سعت استطلاعات مركز بيو للأبحاث لقياس التزام الرجال والنساء بالصلاة اليومية في السر والعلن، وكانت النساء أكثر التزاما من كثير من الرجال في نصف عدد البلدان، حتى أن الرجال أنفسهم أبلغوا عن ذلك خلال الدراسة.
وكانت معدلات الصلاة اليومية هي أكبر فجوة بين الجنسين في هذه الدراسة، وفي جميع البلدان التي تتوفر عنها بيانات يكون متوسط نسبة النساء اللاتي يؤدين الصلاة اليومية أعلى بثماني نقاط عن متوسط الرجال.
ففي الولايات المتحدة -على سبيل المثال- تعتبر 60% من النساء الدين ركنا أساسيا في حياتهن مقابل 47% من الرجال، وتصلي 64% من النساء يوميا مقابل 47% من الرجال، وتخدم 40% من النساء في الكنيسة كل أسبوع مقابل 32% من الرجال.
ووفقا لروايات وسائل الإعلام، فإن عدد النساء يفوق عدد الرجال بكثير في الاحتفالات الدينية في الكنائس الأميركية حتى أن بعض رجال الدين غيروا الديكور والموسيقى وطرق الوعظ لجذب الرجال.
المسلمون واليهود حالة خاصة
بناء على هذه المسوح كانت النساء أكثر تدينا من الرجال على مستوى العديد من المقاييس المعيارية للالتزام الديني، لكن تكشف الدراسة أيضا عن علاقة أكثر تعقيدا بين الدين والجنس، ففي حين أن النساء بشكل عام أكثر تدينا يظهر الرجال مستويات أعلى من أشكال الالتزام الديني في بعض البلدان والأديان.
وعلى جميع المقاييس للالتزام الديني في الدراسة كانت المرأة المسيحية أكثر تدينا من الرجل المسيحي، وعلى النقيض من ذلك أظهر الرجال والنساء المسلمون مستويات متشابهة من التدين على مستوى جميع المعايير عدا الخدمات والاحتفالات الدينية، فتفوق الرجال على النساء بنسبة 28% على الرغم من تأكيد الدراسة أن النساء المسلمات يلتزمن بالصلوات اليومية أكثر من الرجال، وأعادت الدراسة ذلك للأعراف الدينية التي جعلت الرجال أكثر ظهورا من النساء.
تشابهت نتيجة اليهود مع المسلمين بسبب أعرافهم التي تعطي الرجل الأولوية للمشاركة في العبادات والخدمات، فبعض الخدمات الطائفية لا يمكن أن تتم ما لم يكن هناك عشرة رجال، مثل معظم المجتمعات الإسلامية التي تتوقع من الرجال الانتظام في حضور صلاة الجمعة في المسجد، في حين تعفى النساء من ذلك فيقمن به بشكل فردي أو يؤدين الصلاة في المنزل.
ماذا لو تهربنا من العقاب على أخطائنا؟
طور الباحثون في الأديان نظريات مختلفة لتفسير الفجوات بين الجنسين في الالتزام الديني مستخدمين علم النفس والأحياء وعلم الوراثة والتربية والوضع الاجتماعي ونسبة النساء في القوى العاملة، ودرجة شعور المرأة بالأمان الوجودي بمجتمعها، خاصة أن النساء أكثر عرضة للفقر والمرض والشيخوخة والعنف، لكن منذ 25 عاما تقريبا طور جون هوفمان أستاذ علم الاجتماع في جامعة بريغهام يونغ نظرية "النوع الاجتماعي والإقدام على المخاطر" كطريقة لتفسير الفروق بين الجنسين في درجة التدين، ولكن العديد من الدراسات اللاحقة التي قامت بدراسة النظرية لم تثبت صحتها.
حتى ديسمبر/كانون الأول 2018 وقبل آخر دراسات هوفمان كان المجتمع الأكاديمي يرى أن الفجوة الدينية بين الجنسين ربما تنبع من التقاء عوامل متعددة دون إمكانية حالية لتحديد العامل الأكثر مسؤولية، خاصة أنه بالتعمق في الدراسة ظهرت علاقة بين درجة الالتزام الديني والعمل، فالمرأة العاملة أقل التزاما في الدين من ربة المنزل، لذا عند مقارنة الرجال والنساء في العمل تكاد تختفي الفجوة الدينية، ويستمر ذلك النمط من النتائج بعد احتساب عوامل أخرى مرتبطة بمستوى التعليم والعمر والحالة الاجتماعية، وتعاليم الدين نفسه، مما قد يبعد دور الطبيعة والاختلاف البيولوجي كعامل في الفجوة.
في دراسته الجديدة المنشورة بمجلة الدراسات العلمية للدين، وبعد أكثر من عقدين على المحاولة أكد هوفمان العلاقة بين النوع الاجتماعي والتدين والجرأة وتحمل المخاطر، فالرجال عادة أكثر تعرضا للإغراءات والمخاطرة من النساء، وقد يكون التدين إستراتيجية لحياة خالية من المخاطر.
وأظهرت بيانات دراسة هوفمان أن الرجال كانوا أكثر استعدادا لتحمل المخاطر ونتائج أفعالهم، في حين مالت النساء ليكن متدينات، وما هو أكثر من ذلك هو اختفاء فجوة التدين بين الجنسين تقريبا في حالة السيطرة على المخاطر، وإغراء النساء بالهروب من نتائج أفعالهن أو العذاب في حياة أخرى.
وانتهى هوفمان إلى أن بعض الأشخاص لا يمثل لهم الدين معتقدا أساسيا وتجربة حياتية، ولكنه أيضا مؤثر على ميولهم للتصرف بطريقة محفوفة بالمخاطر.