محمد بن العلوي - الرباط - " وكالة أخبار المرأة "

طالب اتحاد العمل النسائي المغربي بمراجعة مدونة الأسرة (قانون الأحوال الشخصية)، في إطار الحملة الوطنية التي أطلقها منذ عام ومن أجل قانون أسري يضمن المساواة ويلائم المستجدات الدستورية والمواثيق الدولية، واحتضنت المكتبة الوطنية بالرباط ندوة تحت عنوان “من أجل قانون أسري يضمن الملاءمة والمساواة”، للمطالبة بالتعجيل في مراجعة المدونة وتحيينها ومعالجة مشكلاتها التنفيذية.
 وأكدت الكاتبة فاطمة الأفريقي، بقولها “إننا هنا لأجل تبادل الآراء والرؤى وتقاسم الأمل والأمل حول فلسفة المدونة ومضامينها”، وأضافت “التطورات الدستورية والتحولات السوسيو ثقافية التي تعيشها بلادنا، تستوجب تحيين مدونة الأسرة نظرا لما تثيره من إشكالات وعثرات انكشفت بوضوح من خلال مجموعة من المآسي الإنسانية والاجتماعية في مسار تنزيلها وتطبيقها”.
ويعتبر تغيير القوانين التمييزية من بين مهام الاتحاد وعلى رأسها مدونة الأحوال الشخصية، تقول فاطمة مغناوي مؤسسة الاتحاد، ومديرة مركز نجدة لمساعدة النساء ضحايا العنف، مشيرة إلى أنه “قد بادرنا في الاتحاد إلى حملة المليون توقيع في العام 1992 لتغيير المدونة وقمنا بالتعبئة لذلك وطنيا ودوليا”.
وتشير مغناوي، إلى أن اتحاد العمل النسائي كان له إسهام بجانب الحركات النسائية ومكونات المجتمع المدني في إحداث التغيير الذي وصلت إليه المدونة الآن والذي لم يكن في مستوى التطلعات، ولكنه رغم ذلك فتح باب الاجتهاد في هذه المدونة التي كانت تعتبر ضمن التابوهات.
واعتمدت مدونة الأسرة قبل 15 سنة، وتعد قفزة مهمة لصالح المرأة المغربية وتتويجا لنضالات الحركة النسائية، وذلك بتضمنها لعدد من المقتضيات القانونية المهمة بعد تدخل العاهل المغربي الملك محمد السادس لإنهاء نقاش مجتمعي احتدم بين الحداثيين والمحافظين آنذاك. وكان الملك قد دعا في فبراير 2018 إلى إعادة النظر في مدونة الأسرة، من خلال “تقييمها وتقويمها” لمواجهة اختلالاتها، موضحا في كلمة وجهها إلى الوزراء، المكلفين بالطفولة، “عملنا على تعزيز تماسك الأسرة، من خلال اعتماد مدونة متقدمة للأسرة، تراعي المصلحة الفضلى للطفل وتصون حقوقه، في كل الظروف، والأحوال، داعين إلى مواكبتها بالتقييم والتقويم، لمعالجة النقائص، التي أبانتها التجربة”.
وأكدت مديرة مركز نجدة لمساعدة النساء ضحايا العنف، أنه بعد صدور مدونة الأسرة في العام 2004 اعتبرناها نموذجا للإصلاحات الجوهرية في المغرب ومكسبا هاما للنهوض بحقوق الإنسان رغم ما شاب بعض بنودها من نقائص وأنصاف حلول، نتيجة التوافقات التي واكبت إعدادها فأنتجت نصوصا للإرضاء من أجل المهادنة المؤقتة وتحت ضغط رهانات داخلية والتزامات دولية.
ومع ذلك نعتبر المدونة بداية لمشروع مؤسس لمجتمع المساواة الذي لا تزال الحركة النسائية تناضل من أجل إقراره على أرض الواقع، إلا أن تجربة تفعيل هذه المدونة، بحسب مغناوي، من خلال أقسام قضاء الأسرة أو العمل الميداني الذي تقوم به شبكة النجدة أفرزت إشكاليات كبرى تتعارض مع مبادئ المساواة وكشفت استمرار التمييز والحيف في عدد كبير من مقتضياتها.
وحتى المكتسبات التي جاءت بها فهي ذات طابع معنوي كالمساواة بين الزوجين في رعاية الأسرة والمساواة بينهما في بعض الحقوق والواجبات وحق المرأة الراشدة في تزويج نفسها وإعطاء الزوجين إمكانية تحرير عقد مستقل خاص بتدبير الأموال والمكتسبات خلال العلاقة الزوجية.
واعترف أستاذ العلوم السياسية، محمد الساسي، أنه في العشرين سنة الأخيرة تبين أن الحصيلة القانونية بالنسبة للمرأة في عمومها كانت إيجابية. في المقابل لاحظت مغناوي أن كل هذه المكتسبات لم يكن لها أي تأثير على مكانة النساء داخل مؤسسة الزواج، أولا لغياب آلية تفعيلها ولوجود مقتضيات في المدونة تفرغها من مضمونها كالولاية على الأبناء التي ما زالت تشكل إحدى النقاط السوداء في المدونة وزواج القاصرات الذي أصبح ظاهرة في تزايد مستمر باعتراف جهات رسمية والتي تشكل انتهاكا صارخا لحقوق الفتيات في التعليم والصحة.
وعملت الندوة على إبراز ثغرات المدونة من وجهات نظر مختلفة فقهية نفسية وسوسيو-ثقافية وقانونية، وتعتبر ظاهرة زواج القاصرات والتعدد من المطالب المرغوب في إنهائها إلى حد مرافقتها بجزاء جنائي، وهذا المطلب حسب أحمد الخمليشي مدير دار الحديث الحسنية بالرباط، “منطقي جدا”.
ونوه الخمليشي أنه لكي يكون هذا المطلب مفيدا لا بد أن تكون المرأة قادرة على مواجهة الحياة، لكن الوضعية الحالية التي تطغى فيها أمية المرأة لا يكفي أن يتم فيها منع التعدد لكي تكون هناك مساواة والسبب هو أن تلك الفتيات اللاتي يُزوَّجن غير قادرات على ممارسة أي عمل مدرّ للدخل.
واعتبر أنه بانعدام هذا الجانب المادي فالقاصرات عرضة لانعدام الحماية القانونية، معتقدا أنه لا يجب الاقتصار على المطالبة بعدم تزويج القاصر وتطبيق العقوبة الجنائية بل يجب أن يُعتنى بتعليمهن.
وأثارت رئيسة اتحاد العمل النسائي، عائشة لخماس، مسألة غياب الآليات مؤكدة بقولها “إننا في حاجة إلى محاكم لقضاء الأسرة على غرار المحاكم الإدارية وليس فقط أقساما ملحقة بالمحكمة الابتدائية، ومع ذلك إذا وجد قضاء متشبع بحقوق الإنسان سيلعب دورا بارزا في سد ثغرات المدونة".
وتأمل رئيسة اتحاد العمل النسائي أن يعي القضاء أننا في عصر الحقوق والحريات وإسهام المرأة في تطور العصر وتدبير شركات ودول، والمرأة المغربية لها نصيب في هذا المجال ولسنا في مجال من يسود.
وقد سمحت المدونة للنساء بطلب الطلاق لأول مرة في المغرب، رغم أن البعض يرى أن قانون الأحوال الشخصية ربما سهل الطلاق حيث تشير إحصائيات وزارة العدل إلى 60 ألف حالة طلاق سنويا ابتداء من العام 2011.
وعلى مستوى آخر أصبح النسب إشكالية كبيرة بالمغرب نظرا لعدد الولادات التي أصبحت تقع خارج العلاقة الزوجية القانونية، ففي المدونة حسب رئيسة الاتحاد النسائي، لا توجد حالة واحدة لثبوت النسب إذ أن فصول المدونة فصلت النسب عن الزواج ولم تحدد كيف للرجل أن يقرّ بأن المولود ينسب له.
وأبرز السوسيولوجي عبدالصمد الديالمي، أنه لا بد من المطالبة بتغيير الفصل الذي ينص على إلحاق الطفل غير القانوني بشكل اختياري للأب البيولوجي، بحيث يصبح الإلحاق أمرا إجباريا بالنظر إلى الدليل العلمي. وقالت رئيسة الاتحاد إنه يجب الفصل في النسب بشكل قاطع كحق من حقوق الأبناء، فعن طريق البصمة الجينية أصبحنا نتعرف على الوالدين، وبالتالي فلا بد من إدخال عنصر العلم في إثبات النسب.
من جانبه أكد الناشط الحقوقي والأستاذ الجامعي محمد الساسي، أنه “رغم الإصلاحات لم نصل إلا إلى نتائج محدودة في ما يتعلق بحقوق المرأة، متسائلا لماذا رغم تزايد المكتسبات القانونية يتزايد منسوب العنف ضد المرأة وكلما تطورت جوهريا مكانة المرأة في نظر القانون تتراجع مكانتها الاعتبارية في المجتمع، فالمفروض أن يؤدي تفعيل القوانين إلى تراجع العنف”.
وأشار أستاذ علم الاجتماع في جامعة فاس الديالمي، إلى أن الكل يشكو من العنف ضد النساء، وقد ظهر حسب الأرقام أن 63 في المئة من المغربيات يتعرضن للعنف، وهذا الرقم المهول تراجع لأن العنف المبني على النوع الاجتماعي بالمغرب قديم وقد وصل إلى مئة بالمئة، معتبرا أن ثقافة تعنيف المرأة متجذرة، وبفضل نضال الجمعيات النسائية تراجعت.
ويدعو الاتحاد، إلى ضرورة ملاءمة المدونة مع مقتضيات دستور 2011، على الرغم من أن هذا الأخير حمل مقتضيات ملاءمة التشريعات المحلية بالاتفاقيات الدولية، إلا أن المدونة بقيت جامدة في هذا الصدد، ولم تخضع للتعديلات الكافية، التي تمكن المرأة والطفل، من الاستفادة من الاتفاقيات الدولية، التي صادق عليها المغرب.