إقبال بركة - مصر - " وكالة أخبار المرأة "

مرت البشرية بتاريخ طويل من النضال والتضحيات من أجل الحرية والمساواة التى تفرضها الديمقراطية وتنص عليها الدساتير، ورغم ذلك ما زلنا إلى يومنا هذا نرى من يعتقد أن الديمقراطية ميزة يمكن أن يتمتع بها بعض المواطنين ويُحرم منها البعض الآخر. ومن الأمور الغريبة فى التاريخ المعاصر أن المفكرين الغربيين الذين بادروا بالدعوة إلى الديمقراطية، رفضوا حق المرأة فى ممارستها! فجون لوك (1632-1704م) الذى كان من أوائل من تحدثوا عن حكم الأغلبية والفصل بين السلطات، واعتبر الليبرالية مبدأ من مبادئ الحرية البشرية، والناس جميعا أحرار، وهم سواء فى الحقوق السياسية، إلا أنه كان يتحدث عن المساواة بين الرجال فقط! والمفكر الفرنسى «جان جاك روسو» كان يرى أن النساء غير مؤهلات للاشتراك فى العمل الديمقراطى!. وكان أول من دافع عن حق المرأة فى الانتخاب هو الفيلسوف الإنجليزى «جون ستيوارت ميل» الذى كان نائبا فى مجلس العموم البريطانى من حزب الأحرار عام 1865. كانت الملكة «فيكتوريا» ملكة بريطانيا العظمى وأيرلندا، وإمبراطورة الهند التى عاش فى عصرها مثالا واضحا على قدرة المرأة سياسيا، فقد حكمت بلادها لفترة هى الأطول فى تاريخ الحكم فى بريطانيا، (ستة وستون عامًا وسبعة أشهر من 20 يونيو 1837م- يناير1901م، وأُطلق اسمها على الفترة التاريخية التى بلغت فيها بريطانيا أوجها العصر الفكتورى! ومع ذلك رفضت الملكة منح النساء حقهن فى التصويت للبرلمان ! ولابد أن حكمتها وبراعتها فى الحكم وما تمتعت به من قوة شخصية وتوفيق فى قيادة الدفة فى بلادها، قد ألهم النساء البريطانيات ووجه انتباههن إلى أن المرأة يمكنها أن تسوس بلادها ويخضع لها الرجال، فأردن أن يسرن على درب «فيكتوريا» ولتكن البداية حق التصويت، إلا أنها أصرت «فيكتوريا» على رفضها وعاندت حتى آخر يوم فى حياتها عام 1905م. ولم يتحقق للمرأة الإنجليزية حقها فى التصويت، بل سبقتها العديد من الدول الأوروبية التى منحت النساء حق التصويت فى أواخر القرن التاسع عشر، مثل فنلندا، وأيسلندا، والسويد، وبعض المستعمرات الأسترالية. وقد لعبت الحرب العالمية الأولى دورا كبيرا فى إبراز شجاعة النساء وقدرتهن على العمل الشاق واستعدادهن للتضحية من أجل بلادهن جنبا إلى جنب، الرجل وغيرت من نظرة المجتمع إلى الأنثى، وأثبتت احتياج البلاد إلى النساء وقت تفرغ الرجال للقتال. وبعد انتهاء الحرب صدر عام 1918م قانون سمح للنساء الإنجليزيات من سن 21 حتى نهاية 29 أن يرشحن أنفسهن، لكنهن فى الوقت نفسه لا يستطعن الانتخاب والإدلاء بأصواتهن!! وفى عام 1920م، تم التصديق على التعديل التاسع عشر فى دستور الولايات المتحدة الذى بموجبه أعطيت للمرأة حقوق متساوية فى التصويت فى جميع الولايات. وتأخرت المرأة الفرنسية حتى عام 1944 والإيطالية 1945.
أما المرأة المسلمة، فقد سبقت كل نساء العالم فى نيل حقوقها السياسية، لأن الإسلام لم يميز بين الرجال والنساء، وساوى بينهما فى قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. فإذا كان الرسول (ص) قبل أكثر من 1400 عام تقبل مبايعة النساء له على جبل «الصفا»، وبعد وفاته بايعن الخليفة «أبوبكر»، ثم شاركت المرأة فى الأحداث السياسية والانتخاب والمعارضة والمحاسبة للحكام ورجال الدولة على مدى تاريخ الدولة الإسلامية، فلماذا ضن عليها إخوانها ومنعوها من هذا الحق فى العصر الحديث؟! أبحث عن تفسير ذلك فى كتاب أستاذ ورئيس قسم الفلسفة كلية الآداب، جامعة الكويت الأسبق د. «إمام عبدالفتاح إمام» فيقول إن «البعض يخلطون بين مكان المرأة فى الأسرة ومكانتها فى الدولة، ويساء فهم الآيات القرآنية التى تتحدث عن وضع المرأة فى الأسرة مثل {ولهن مثل الذى عليهن بالمعروف، وللرجال عليهن درجة} سورة البقرة 228، و{الرجال قوامون على النساء} النساء 43، وهى آيات تتحدث عن الطلاق والإنفاق فى نطاق الأسرة. وعلينا أن نفرق بوضوح بين مفهومين: الأسرة والدولة، الأول مفهوم أخلاقى والثانى مفهوم سياسى، والخلط بينهما يؤدى إلى مشكلات لا حل لها. ولا معنى لتطبيق الديمقراطية بمعناها السياسى على الأسرة، أو تطبيق قوانين الأسرة على الدولة وإن «المعيار الحقيقى لوجود الديمقراطية فى مجتمع ما ليس وجود مجموعة من الأفكار الهامة والمبادئ الديمقراطية فى دستور هذا البلد وإنما هو ممارسة الناس الفعلية لهذه الأفكار والمبادئ والحقوق، فالديمقراطية فى النهاية ممارسة».