محمد العلوي - الرباط - " وكالة أخبار المرأة "

يدرك من يقدم على جريمة اغتصاب في المغرب أنه أمام ثلاثة سيناريوهات تجعله لا يأبه لتوسّل وصراخ ضحيته، فهو إما يفلت من العدالة بسبب صمت الضحية أو لعجزها عن إثبات وقوع الجريمة أو تزويجها منه استجابة للأعراف أو لصدور حكم قضائي في الغرض، وفي هذه الحالات تصبح الفتاة رهينة وضعية اجتماعية غير سوية خصوصا إذا جمعها بمغتصبها سقف واحد، بسبب تكرار حوادث الاغتصاب المنتهية بإفلات الجاني من العقوبة بزواجه من ضحيته.

تعايشت بعض ضحايا الاغتصاب مع واقع تزويجهن بمغتصبيهن وأخريات أقدمن على وضع حد لحياتهن، وفي مارس 2012، أقدمت الشابة أمينة الفيلالي على الانتحار بعد إرغامهما على الزواج من مغتصبها، وأثارت هذه الحادثة الكثير من الجدل القانوني والأخلاقي، بعدما أفلت المغتصب المفترض من الملاحقات القانونية بموجب الفصل 475 من القانون الجنائي المغربي بفعل الزواج.
ومن تداعيات انتحار أمينة الفيلالي على المستوى التشريعي موافقة مجلس النواب في يناير 2014 على إلغاء قانون مثير للجدل يعفي المغتصب من العقوبة في حال زواجه من الضحية، إذ كان القانون المغربي ينص في وقت سابق في فصله 475 على أن القاصر التي اختطفت أو غُرِّر بها إذا كانت بالغة، وتزوج بها من اختطفها أو غرّر بها، لا يمكن متابعته قانونيا إلا بناء على شكوى من شخص له الحق في طلب الزواج، ولا يمكن الحكم بمؤاخذته إلا بعد صدور حكم بهذا البطلان فعلا.
وتم تجاوز هذا القانون حسب النائبة عن حزب الأصالة والمعاصرة خديجة الرويسي، وبفضل النضال الذي قامت به المنظمات الحقوقية والتعبئة من جانب بعض المجموعات البرلمانية تحقق ذلك.
ونصّت المادة 486 من القانون الجنائي المغربي في فقرتها الأولى على ما يلي “الاغتصاب هو مواقعة رجل لامرأة بدون رضاها ويعاقب عليه بالسجن من خمس إلى عشر سنوات، فإذا كانت سن المجني عليها تقل عن خمسة عشر عاما فإن العقوبة هي السجن من عشر إلى عشرين سنة”.
وفي حال رفضت الضحية الزواج من الجاني، فإن والدها أو أحد أفراد عائلتها قد يجبرها على الموافقة بالإكراه، وتعتبر الناشطة الحقوقية خديجة الرياضي الأمر اغتصابا مزدوجا، لأن الضحية تتعرض للاغتصاب من جهة ثم تجبر على الزواج بمغتصبها، وهو ما يعتبر اعتداء جديدا وتعذيبا متواصلا لها.
وفي مثل هذه الحالات تتردد في المجتمع عبارات من قبيل “شرف العائلة”، والزواج يعتبر إنقاذا لشرف العائلة، ويرفض حقوقيون هذه المفاهيم وينددون بها لكن الواقع لا يزال ساريا عليها حتى اليوم.
وتؤول أغلب الزيجات من هذا النوع إلى الفشل، وهذا ما قالته “زينب.ب” من مدينة فاس، موضحة أنها تعرضت للاغتصاب من ابن خالتها ولم يمر سوى شهرين قبل أن تفضحها بطنها التي بدأت تتكشّف عن حمل سفاح، وحتى “لا تتعرض العائلة للنظرة الدونية والاحتقار والشك من طرف الجيران تم إرغامي على الزواج به”.
وتضيف زينب “عشت مع ابن خالتي سنة كاملة بعد ولادة ابنتي، ثم عدت إلى بيت أهلي إذ لم أتمكن من الاستمرار في العيش معه لأن حادثة الاغتصاب لم تفارق ذاكرتي وعقلي إلى اليوم”، وأردفت بابتسامة باردة “أطلقت اسم بهجة على ابنتي تيمنا به عسى أن تدخل علي الفرحة، فهي ضحية مثلي أيضا”.
أما عائشة ذات الـ16 سنة من مدينة إيموزار الجبلية، فكانت ضحية اغتصاب أحد المزارعين الذي اغتنم فرصة وجودها في حقل لجني التفاح بمفردها، فتؤكد أنها عانت كثيرا قبل أن تصارح أهلها بعد مرور شهر على الواقعة، وكادت أن تكون ضحية جريمة قتل بعد إقدام أحد إخوتها على خنقها لولا تدخل أحد أفراد العائلة وإنقاذها.
وتقول عائشة ” بعد الواقعة “أصبحت منبوذة من العائلة لكوني جلبت لها العار والفضيحة، ما دفع خالي إلى الضغط على الشخص المغتصب ليتزوج بي رغم أنه حملني وزر تعرّضي للاغتصاب، وبالرغم من شعوري بالألم إلا أنه ليس أمامي غير الصبر على وضعي، فأنا تزوجته ليس اقتناعا بل لأن هذا هو الحل لوضعيتي، فلا يمكن أن أعيش في بيت أسرتي وأنا مغتصبة ودون زوج”.
ويصل عدد حالات الطلاق في المغرب حسب وزارة العدل إلى 100 ألف حالة سنويا، وتم تسجيل 11 ألفا و928 حالة حكم بالتطليق في مدينة الدار البيضاء، فيما سجلت الرباط 2028 حالة أي بنسبة 2 بالمئة من مجموع الحالات. ودفع ارتفاع عدد حالات الطلاق المختصين وهيئات المجتمع المدني إلى دق ناقوس الخطر، والسعي إلى مضاعفة المجهودات لمواجهة الظاهرة التي تشتت الآلاف من الأسر سنويا.
ونبّهت أسماء المودن، رئيسة الشبكة المغربية للوساطة الأسرية، إلى أن “أرقام وزارة العدل مخيفة”، مذكرة ببلوغ عدد حالات الطلاق قرابة 100 ألف حالة عام 2017، مؤكدة أنها تدل على وجوب الانتباه للأسرة وتستوجب على المجتمع المدني تحمل مسؤولياته في رأب الصدع وضمان تماسك المجتمع.
وأكد فقهاء في القانون أن المشرع أوجد عدة آليات للوساطة للحد من الطلاق منها المجالس العلمية والمساعدات الاجتماعية والوساطة القضائية، مشددا على ضرورة إضافة الوساطة الأسرية إلى تلك الآليات وذلك بمأسستها وإعطائها الإطار القانوني.
وأثبتت الدراسات أن ضحايا الاغتصاب بلا استثناء يتعرضن لصدمة نفسية عنيفة عند الاغتصاب وبعده، إضافة إلى أعراض فسيولوجية وسيكولوجية قد تبقى مع الضحية لسنوات. وكنتيجة لتزويج المغتصبة بالجاني فإنه غالبا ما يكون العنف الأسري والخيانة من بين مخلفات ذلك الزواج وأيضا من بين الأسباب الأساسية للانفصال. كما أن الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والنفسية قد تقود إلى الطلاق وليس الاغتصاب في حد ذاته كجريمة.
وتعمل العديد من الجمعيات الحقوقية على التوعية بالمشاكل الناتجة عن مثل هذه الزيجات نفسيا واجتماعيا واقتصاديا، ومنها الشبكة المغربية للوساطة الأسرية التي تهدف إلى إشاعة ثقافة الوساطة الأسرية باعتبارها السبيل الأنجع لتدبير الخلافات بين أفراد الأسرة حتى وإن كان الزواج بين مغتصب وضحيته، علاوة على تطوير التدريب والتكوين في الوساطة الأسرية للارتقاء بأدائها، وبلورة استراتيجية في موضوع الوساطة الأسرية.
وختمت ضحية الاغتصاب عائشة، وهي تتحدث بتأثر بالغ عن أنها تعرف بعض الفتيات اللاتي اغتصبن وتم فرض الزواج عليهن من طرف الأسرة، لكن بقيت حكاياتهن طي الكتمان نظرا للتستر المتعمّد من الأسر على ما تعتبره فضيحة تسيء إلى العائلة ككل وتعتبر الفتاة سببها بالدرجة الأولى، وهو ما انعكس بشكل سلبي على حياتهن الأسرية ورغم إنجابهن إلا أن جرح الاغتصاب يبقى مفتوحا دوما بداخلهن.
وترنو الشبكة المغربية للوساطة الأسرية إلى الترافع من أجل سياسة عمومية مندمجة للنهوض بأوضاع الأسرة المغربية ومأسسة الوساطة الأسرية، بالإضافة إلى تشجيع الدراسات الميدانية والبحث الجاد عن رصد الظواهر والإشكاليات المعيقة لأدوارها والمهددة لاستقرارها ومنها أساسا أضرار الاغتصاب وآثاره التي لا تمّحي بسهولة.