سماح بن عبادة - تونس - " وكالة أخبار المرأة "

تداولت وسائل إعلام تونسية وصفحات تواصل اجتماعي خبرا مفاده أن زوجا طالب بنسخة من الملف الطبي لزوجته المريضة بالسرطان للاستظهار بها أمام المحكمة والمطالبة بالطلاق للضرر. والمقصود هنا بـ“الضرر الذي لحق بالزوج هو إصابة الزوجة بمرض السرطان”.
تضرر الزوج، وهو يطالب بإنصاف العدالة، فقد أذنبت زوجته في حقه ومرضت بالسرطان. وهو يرى في ذلك تعديا عليه! ونشر محام تونسي على صفحته في فيسبوك قائلا “قضية أبشع من البشاعة، صادفتني اليوم بطلها ذكر تونسي… الزوجة تمرض بسرطان الثدي… الزوج يطالب بملفها الطبي لإثبات الطلاق ‘للضرر’”.
تهاطلت التعليقات على المدونة وتنوعت مواقف المعلقين رغم أن أغلبهم اتفقوا على نقطة واحدة وهي انتقاد موقف الزوج ورفضه. ووصل الأمر ببعض المعلقين إلى حد شتمه فمن بينهم من نفى عن هذا الزوج صفات الرجولة وأيضا الإنسانية واعتبره مجرد ذكر لا أكثر، وآخرون اعتبروا أن ردة فعله ليست مستغربة في عصرنا الراهن حيث تسود الأنانية والنفاق وعدم احترام قيم الزواج وشريكة الحياة وغيرها.
وقد سردت سيدات ورجال قصص لتجارب مماثلة حيث قالت إحداهن إن زوج إحدى المصابات بسرطان الثدي توعّد أمام الفريق الطبي بالمستشفى حين أدخلت زوجته إلى غرفة العمليات بأنه لو تم استئصال ثدييها “ولو خرجت من دون ثدي” فإنها لن تدخل بيت الزوجية.
وتحدثت سيدة عن معاينتها لوضعية مماثلة من ردود فعل الأزواج وعرضت حالة جارتها التي بعد أن قامت بعملية استئصال الثدي لقيت من زوجها سوء المعاملة والإهانة إلى أن توفيت، واعتبرت الجارة أن معاناة الزوجة من قساوة زوجها فاقت معاناتها من المرض الخبيث ذاته.
وأكد معلقون من المحامين أن القانون التونسي، يمنع الطلاق للضرر لمرض أحد الزوجين، زد على ذلك يقيد الطبيب بسر المهنة (أي لا يمكنه إعطاء الزوج الملف الطبي الذي يريد الحصول عليه).
وتحدثت سيدة أخرى عن حالة لفتاة عشرينية اكتشفت أنها تعاني من سرطان الثدي لكن والدها رفض العلاج الذي اقترحه الأطباء عليها، ثم عارض أن يتم استئصال ثدييها قائلا لها “من سيقبل بالزواج بك وأنت من دون ثدي..”، وبعد مرور فترة تطور المرض واستفحلت الحالة الصحية للفتاة إلى درجة انبعاث روائح كريهة من جسدها فما كان من الأب والإخوة إلا أن طردوها من البيت لأنهم لم يتحملوا تلك الرائحة..”.
وتراوحت التعليقات والنقاش الذي دار حول قضية الزوج الذي يريد طلب الطلاق للضرر من زوجته بعد إصابتها بسرطان الثدي بين الجدل القانوني والقيمي والانساني والنسوي والحقوقي، لكن لم تعتبر المسألة قضية رأي عام لأن ما أقدم عليه الزوج يظل من بين ردود الفعل الاستثنائية للأزواج الذين تصاب زوجاتهم بالمرض الخبيث خصوصا في الثدي لأنه من الأنواع التي يمكن الشفاء منها أحيانا بعد استئصال العضو المصاب والذي يرى فيه الذكور وحدهم قيمة وأنوثة الزوجة.
المثير في التعليقات قصة العزباء التي رفض والدها أن تخضع لاستئصال ثديها خشية أن تصبح عانسا ولا يقبل الذكور الزواج منها كونها أنثى “ناقصة” في رأيه، وبالرغم من أن موقف الأب يأخذ في مقام الشاذ الذي يحفظ ولا يقاس عليه كونه خشي أن يفوت قطار الزواج ابنته ولم ينتبه لأن يفوتها قطار الحياة وهي في عمر الشباب.
فمشكلات العازبات من الفتيات اللاتي يصبن بهذا المرض ويخضعن لعمليات الاستئصال من أجل إنقاذ حياتهن لا تتطرق إليها الدراسات خصوصا منها الاجتماعية.
فبجانب المعاناة من المرض القاتل ومن رحلة علاجه الطويلة والمرهقة بدنيا ونفسيا تعاني هؤلاء الفتيات من مصاعب أخرى تتعلق أولا بنظرة كثيرات منهن لأنفسهن ولأجسادهن فترى أغلبهن أنهن لا يمكن أن يحظين بفرصة الزواج وبناء أسرة والإنجاب، وثانيا يعانين من نظرة غير سوية من محيطهن الأسري والمجتمعي. وفي حال لم تفكر الفتاة ذاتها في مقولات النقص وعدم رغبة الرجال في الارتباط بها فإن عائلتها أو المحيطين بها يذكرونها بذلك ويثيرون المسألة بطريقة أو بأخرى أمامها ما يزعزع ثقتها في نفسها ويقوض رغبتها في الحياة.
ومن هنا تجد مقولة أن الذكور وحدهم ينظرون للمرأة على أنها جسد أنثوي لا أكثر وجاهتها وصحتها، لكن والحال أن غالبية مجتمعاتنا العربية ذكورية بامتياز فإن أغلب مريضات السرطان يعانين من سرطان مجتمعي أكثر قسوة وفتكا بمعنوياتهن. وهذه المجتمعات إن لم تغلّب جانب الأنوثة في تقييمها ونظرتها للمرأة فإنها تضعه في أعلى لائحة التقييم.
وعند محادثة الفتيات اللاتي تعرضن لاستئصال للثدي أو للرحم بسبب مرض السرطان نقف على حقيقة مواجهتهن للنظرة الدونية أو الرفض أو سوء المعاملة والتي تفوق في الكثير من الحالات معاناتهن من المرض ذاته ومن تداعياته. الخلاصة أن المجتمعات الذكورية تدين المرأة المريضة، وقد تُتهم إن كانت زوجة بالإضرار بشريكها، وتعاقب نسبيا مريضات السرطان وخاصة الخاضعات منهن لعمليات الاستئصال بطرق مختلفة بعضها مغلف بنظرات الشفقة.