تونس - " وكالة أخبار المرأة "

تُستغل العديد من الفتيات للعمل كمعينات منزليات رغم صغر أعمارهن، وبالرغم من اعتماد تونس على ترسانة من القوانين التي تحمي حقوق الطفولة وتحدّد السن القانونية للعمل وتم تعزيزها العام الماضي بقانون يعتبر الوساطة وتشغيل الأطفال من بين جرائم الاتجار بالبشر، إلا أن الواقع الراهن يظهر استفحال ظاهرة استغلال القاصرات للعمل كمعينات منزليات، حيث كشفت العديد من الإحصائيات الرسمية والتقارير الإعلامية أن زيادة نسب البطالة والفقر ساهمت في تفاقم الظاهرة وأن هؤلاء القاصرات يتعرضن للعنف وسوء المعاملة وأحيانا للتحرش الجنسي.

كشفت العديد من التقارير والإحصائيات الرسمية أن غالبية الفتيات القاصرات اللاتي يتم استغلالهن وتشغيلهن كمعينات منزليات في تونس ينتمين إلى أسر من الفئات الاجتماعية الفقيرة ومن المناطق التي تعاني التهميش مثل الأرياف بمناطق الشمال الغربي التونسي.
وأكدت ذات التقارير أن هؤلاء الصغيرات يعانين من سوء المعاملة وسط العائلات المشغلة أو يتعرضن للعنف والتحرش وأحيانا يكن ضحايا لشتى أنواع الاعتداءات الجسدية والنفسية.
وتسهل عملية استغلال هذه الفئة من الفتيات الفقيرات عن طريق وسطاء يمتهنون تشغيلهن كسماسرة ويقبضون المقابل المادي لذلك من طرف أصحاب العمل وأحيانا من طرف الولي الذي يبحث عن عمل لابنته يدر عليه موردا إضافيا لدخله المادي.
وكانت وزيرة المرأة والأسرة والطفولة نزيهة العبيدي قد أثارت مسألة السماسرة الذين يستغلون القاصرات ويتاجرون بهن من أجل سن قوانين تحمي القصر من الاستغلال عن طريق العمل تهم جميع الأطراف المتدخلة في ذلك ومن أجل تطبيقها على أرض الواقع.
ويعتبر هؤلاء السماسرة من مرتكبي جرائم الاتجار بالبشر في التشريع التونسي، وقد كشفت العبيدي أنهم يشغّلون الأطفال مقابل الحصول على مبالغ مالية هامة من قبل من المشغلين مؤكدة على انتشار هذه الظاهرة مؤخرا في ظل حالة الفقر والخصاصة التي تعانيها العديد من الأسر في الأوساط الريفية.
وتعمل سلمى، ذات الست سنوات، كمعينة منزلية بعد أن وقعت في فخ شبكة للاتجار بالأطفال. وتقول في حديث لوكالة الأنباء التونسية إنها لا تحمل في ذاكرتها سوى أن السمسار استلمها من والدتها قبل أن يدفع لها مئة دينار مقابل أن تشتغل كمعينة منزلية في إحدى البيوت بمدينة أريانة قرب العاصمة. ولم تتخيّل الصغيرة كمّ المعاناة التي تنتظرها والعنف الذي تعرضت له في ذلك المنزل، الأمر الذي اضطرها إلى محاولة الفرار في مرّات عديدة.
وانتهت محاولتها الأولى للهروب بحجزها لمدة ثلاثة أيام في غرفة مغلقة. أما المرة الثانية، فقد استغلت سلمى إحدى المناسبات عندما رافقت مشغلتها في زيارة إلى أحد الأقارب، وقفزت من الطابق الثاني مستغلة وجود أكداس من الرمال، لكنها لم تنج من القبض عليها وإعادتها إلى العمل ذاته.
وتعرضت بشيرة ذات الثانية عشرة سنة إلى تجربة مماثلة حيث أجبرتها عائلتها الفقيرة على ترك مقاعد الدراسة وأرسلتها للعمل كمعينة منزلية في العاصمة رغم نجاحها في ختم مرحلة التعليم الابتدائي وتدخل مندوب حماية الطفولة بعد أن توصّل ببلاغ عن وضعها لإنقاذها من العمل وإرجاعها إلى مقاعد الدراسة.
وفي أحد برامج التوك شو الاجتماعية الذي بثته قناة تونسية خاصة تحدثت العديد من السيدات اللاتي دخلن مجال العمل في سن مبكرة كمعينات منزليات، وأجمعت غالبيتهن على أن الفقر والسعي إلى إيجاد مورد مالي إضافي لإعالة بقية أفراد الأسرة كانا من الدوافع الرئيسية التي دفعت أولياء أمورهن لتشغيلهن. كما أكدن تعرضهن للاستغلال ولسوء المعاملة، وتحدثت بعض الشهادات عن تعرضها للتحرش من أفراد العائلة المشغلة ولمحاولات اغتصاب واستغلال جنسي.
وتداولت منصات التواصل الاجتماعي العديد من الشهادات رغم مرور سنوات على وقوعهن ضحايا للسماسرة إلا أنهن لم ينسين أدق تفاصيل سوء المعاملة، والعنف الذي يتعرضن له.
وتقول إحداهن إنها لم ولن تسامح والدها الذي أخرجها من المدرسة رغم تفوقها وأدخلها للعمل في بيت مديره في العمل لكي تساعده على إعالة إخوتها ولكي يستغلها لتحسين علاقته المهنية بمديره، وتأثر الكثير من متابعي البرنامج بشهادة هذه الضحية ما جعلها تنتشر بشكل واسع على صفحات الفيسبوك.
وبالرغم من أن بعض الفتيات اللاتي يتم تشغيلهن كمعينات منزليات يتلقين معاملة طيّبة من الأسرة التي تشغلهن إلا أن توظيفهن دون السن القانونية للعمل يعد مخالفا للقانون التونسي وجريمة مورست بحقهن، واعتداء على حقوق الطفل بحسب خبراء في القانون وعلم الاجتماع.
وتقول زهرة البالغة 22 سنة، إنها مازالت تعمل كمعينة منزلية حتى اليوم وتسترجع اللحظات التي أبعدت فيها عن أسرتها بعد أن أقنع أحد السماسرة والدها بأن يرسلها للعمل كمعينة منزلية لدى عائلة في العاصمة.
وتضيف لوكالة الأنباء التونسية “لم ينفع بكائي وتوسلاتي لوالديّ اللذين كان كل همّهما تحسين وضعنا المادي والاجتماعي بالرغم من نجاحي في الصف السادس وحصولي على المرتبة الأولى في الفصل”.
وتؤكد زهرة أنه بعد سنتين فقط، التحقت بها أختها الأصغر منها وقد انقطعت عن دراستها هي أيضا. وبعدها، الأخت الثالثة التي لم تتجاوز سنها بعد السادسة عشرة. وتضيف “إلى حد اليوم، نحن نعمل كمعينات منزليات بأجر زهيد لا يتجاوز 250 دينارا في الشهر الواحد، في غياب تام للتغطية الاجتماعية، ولجل ضوابط العمل القانونية”.
ومن جهته يؤكد رئيس جمعية التنمية والتكوين، رضا الطبوعي أن القاسم المشترك بين غالبية المعينات المنزليات من المناطق الفقيرة والمهمشة، أنهن بدأن العمل منذ سن مبكرة (8 و9 و10 و11 سنة)، وأنهن انقطعن أو أخرجن في سن مبكرة من المدارس.
ولمقاومة ظاهرة تشغيل القاصرات والأطفال بصفة عامة، تعزّزت الترسانة القانونية التونسية في السنة الماضية، بصدور قانون يتعلق بمنع الاتجار بالأشخاص، تزامنا مع الأرقام التي كشفتها وزارة المرأة والأسرة والطفولة في ذات السنة والتي أقرت بوجود 373 حالة محتملة للاتجار بالأطفال.