رابعة الختام - مصر - " وكالة أخبار المرأة "

كانت شمس الغروب تعلن رواحها القسري وتنصب ميزان الكون في هدأة الأجواء الباردة، حين بللت رغدة الطفلة الأردنية الصغيرة ملابسها وهي تلعب ألعابا حركية مع أطفال الشارع، خشيت الصغيرة من عقاب والدتها حادة الطباع، وقبلها من نظرات السخرية في أعين الرفقاء، وهمس الصغيرات عليها متندّرات في أحاديث جانبية قاتلة.
ودّعت هذا البلل منذ سنوات بعيدة، صارت أكبر وأكثر نضجا، لم تعد تلك الصغيرة التي تأتي هذه الأفعال الغريبة، وهي تعلم بحالها من الجميع، فماذا حدث حتى يعود لها البلل من جديد؟ سارت بين البنايات تتخفى عن الأعين، وتلتصق بالجدران الباهت لونها، ترى رطوبة قاسية تنهش في الجدار دون أن يسخر من المنازل أحد!
لكن هي لن ترحمها الأعين حال ظهرت على ملابسها الرطوبة وآثار البلل، تخفّت حتى وصلت إلى الدار تختبئ، يا للطف الأقدار بها لم تصادفها أمها، فدخلت إلى الغرفة تخفي ما حدث دون وعي. صدمها البلل أحمر اللون، يا للمصيبة! إنها دماء!
أسقط في يديها، دارت بها الغرفة كأرجوحة انقطع خيطها للتو وهوَت في فضاء فسيح، صرخت بكل قوتها، حضرت أمها، لم تنهرها، لم تنفجر في موجة صراخ عارمة، ولم تعنّفها، العجيب أنها احتضنتها بقوة وضحكت!
حارت الفتاة، ما شأن أمها التي طالما عنّفتها على أقل جرم، وعلى كل فعل تراه جرما وإن لم يكن كذلك، فكيف لها أن تفرح بتلك المصيبة وتضحك وتحتضنها؟
عرفت الفتاة أنها أصبحت مكتملة الأنوثة وأن ما حدث نعمة وليس نقمة، فرحت أمها وانتهى الأمر ولكن الفتاة لم تنته معاناتها، بل بدأت، أصبح البلل الأحمر يباغتها كل شهر، يقتنص من نشاطها ومزاجها الطفولي الرائق.
صارت الأم تتحدث إليها في أمور تخالف طفولتها ورغبتها في الاستمتاع بالحياة واللعب مع الصغار، رفضت خروجها للعب في الشارع، مزّقت دميتها ذات الحشوة القطنية، وأعارت بقية الدمى والألعاب لأطفال العائلة، حتى تلك الدهشة الرائعة التي ترسم الابتسامة على شفتيها وفي عينيها على دعابات أخيها الأصغر رفضتها الأم وصارت تعنّفها إذا علا صوتها، إذا ضحكت، إذا صافحت أقاربهم الذكور وقبّلها أحدهم، هي مازلت طفلة تهفو نفسها للعب البريء، غير أن أسرتها تنظر لها كأنثى تعدها لحدث ما.
مرت أشهر على هذه الفترة الضبابية بين الطفولة والصبا، بين الجسد الفائر شكلا، والطفولة الكامنة في قلبها الغض، تحولت بعدها دفة الأمور إلى شيء ما أكبر من استيعابها، انشغلت العائلة بتفاصيل غريبة، تعد العدة لحدث هام، لكن ما هو؟
جاء للبيت شاب كبير، أكبر كثيرا من أخيها الأكبر الذي تخشى مناداته باسمه مجردا، يبدو هذا الشاب الذي جاء إليهم أقرب إلى عمر أمها، يطلبون إليها الجلوس معه وملاطفته فسيصير زوجا لها بعد شهرين.
لم تكن تدرك معنى كلمة ملاطفة، مداعبة، ولا زوج أو زواج، طفلة لا تريد أكثر من اللعب، لا ذنب لها في تغييرات بيولوجية مبكّرة داهمت جسدها فجأة.
حكاية رغدة التي صدمتني بها صديقة أردنية من أصل فلسطيني، مأساة تتكرر كثيرا، كارثة تسمّى تزويج القاصرات رغما، أراه اغتصابا شرعيا بمعرفة الأهل ومعاونتهم على انتهاك طفولة باكرة، وللأسف الشديد تساند القوانين هذه الزيجات، فقط تنظمها حتى تعطيها صبغة أكثر بريقا وشرعنة.
أعلم أن الأردن دولة ذات تاريخ وحضارة، بها أسر شديدة الحرص على مستقبل بناتها، لكن للأسف فإن تلك الظاهرة تضرب أعماق المجتمع وتنتشر بفظاظة.
ثارت ثائرة نشطاء فيسبوك وتويتر لتعديل أجري على مادة واحدة في قانون زواج القصر أقره البرلمان الأردني لرفع سن الزواج في مقولة تفتح باب الجدل والسجال بتعديل سن الزواج بزيادة يوم واحد، وذلك بالسماح لمن أتم عامه الـ15 من الفتيات والذكور بالزواج.
على الرغم من طرافة الخبر إلا أنه يخفي جرما كبيرا في حق أطفال وطفلات مازالوا يبحثون عن دمى لطيفة أو بعض ألعاب الفيديو يتسلون بها. بما يفتح الباب أمام سماسرة الزواج المبكر للمتاجرة بالفتيات في زواج محكوم بالفشل قبلا واستغلال القانون في أعمال مضرة بالفتيات وغير قانونية كلية.
فهذا الزواج يحرم الفتيات من الحق في التعليم، ويؤثر سلبا على طفولتهن وصحتهن الإنجابية حال الإنجاب بجسد هزيل غير مكتمل النضج، وبالتالي قدوم أطفال ضعفاء البنية أو الإجهاض المتكرر نتيجة ضعف الأم الطفلة، والحالة النفسية المضطربة للاتي دخلن إلى عالم الكبار عنوة.
ناهيك عن الطلاق المبكر الذي يعقب هذا الزواج غير المتكافئ مطلقا، أدعو الجهات المسؤولة إلى ضرورة إعادة النظر في مثل هذه القوانين التي تضر بحق الفتاة من عدة نواح، وإعادة الطفولة إليها.