الكاتب الصحفي: توفيق أبو شومر - فلسطين - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

هو حفل زفاف غير معهود إلا في فلسطين، ليس حفلاً موسيقيا راقصا، وليس زفافا إلى بيت سعادةٍ جديد، ولكنه حفلُ زفافٍ إلى السجن، هذا الحفلُ لا يحدثُ إلا في وطننا!!
حفلٌ، لم توثِّقه كاميرات التصوير كفيلم وثائقي، ولم يستوقف الشبكات الإعلامية المولعة بالخبطات الإعلامية، إلا كخبرٍ عابرٍ، حفلٌ شارك فيه مئاتٌ، معظمهم ليسوا من أقارب العريس، بل هم من مريديه، ومعجبيه، بينهم يهودٌ يساريون، وعربٌ أحرار.
حفل الزفاف أشارتْ إليه صحيفة هآرتس يوم 26-12-2018م وأبرزته كحدث يستحقُّ أن يُبرز كان مفروضا أن يحظى بالترويج من قبل أهل العُرس، لكن للأسف، لم يحدث ذلك!
" العريس، عمرة تسعة وستون عاما، فلسطينيٌ، بدويٌ. شاركتْ في حفل الزفاف عشراتُ السيارات، وعشرات المحتفلين، سار موكبُ الفرح من مدينة، راهط البدوية في النقب إلى سجن، معسياهو، في محيط مدينة الرملة، هناك سلَّم المزفوف لباسَ عُرسه للسجان، وارتدى زيَّ السجن، ليقضي فيه عشرة أشهر مع المجرمين، وشُذَّاذ الآفاق، ويدفع كذلك غرامة قدرها، عشرة آلاف دولار أمريكي!!
أما تُهمةُ العريس فهي أنه قرَّر المحافظة قانونيا على ممتلكات آبائه وأجداده المسلوبة، في قرية العراقيب.
العريسُ من أبرز المدافعين الأبطال عن قرية العراقيب، أسطورة النضال الفلسطينية، التي هُدمتْ حتى كتابة هذا المقال، مائة وثمانية وثلاثين مرة، خلال ثماني سنوات، بعد كل عملية هدمٍ يُعاد بناؤها من جديد، كرماد طائر العنقاء!!
قرية العراقيب، أسطورة المدن النضالية، ليس في فلسطين فقط، بل في العالم أجمع!
 قرية العراقيب، هي من أملاك قبيلة، الطوري الفلسطينية البدوية، تملك القبيلة أراضي القرية، كما تشير الوثائق، منذ عصر العثمانيين، ثم البريطانيين، ويملك أهلها، حسب صحيفة، هآرتس، وثائق تثبت تلك الملكية!
سنَّتْ الكنيست في إسرائيل عام 1953 قانونا صادرتْ بموجبه مئات الدونمات من النقب، بما في ذلك قرية العراقيب.
في سبعينيات القرن الماضي أصدرت إسرائيل قرار بتسجيل الأراضي أملاكا حكومية، ومنحت مهلة للاعتراض على التسجيل!
 قدَّم ثلاثة آلاف مواطن من قبيلة، الطوري، ممن يملكون الأرض حُججهم القانونية، وهي تثبت ملكيتهم لمئات ألاف الدونمات.
بدأت عمليات الهدم منذ عام 2010، بالاستعانة بألف شرطي، هدموا كل المباني، ماعدا مقبرة العراقيب.
قال العريس، بطل العراقيب، الشيخ صياح أبو مديغم الطوري:
"تزعم إسرائيل، إنها دولة ديموقراطية، وعدل ومساواة، تحمي كل مواطنيها، هذا زيف!
لست مستعدا لترك العراقيب، فلتخجل إسرائيل، لا يوجد قانون يحميني، المحكمة تُنفذ أوامر الدولة، فالمحكمة لم تبتَّ في طلبي القانوني حتى اليوم، إنها حكومة يمينية، عنصرية، لا يوجد لنا مستقبل فيها، ففي هذا العام لم يترك لنا الجيش سوى النوم إلى جوار قبور آبائنا، فإنا أنام في العراقيب، حتى في أيام البرد والمطر، ولا أنام في منزلي!!
رفضت المحكمة العليا عام 2015 كل تلك الحُجج التي تقدم بها مالكو العراقيب، من قبيلة الطوري، حاولت الشرطة إبعاد الشيخ، صياح عن العراقيب عدة مرات، ولكنها لم تنجح، فاتهمته المحكمةُ بتسع عشر ة تهمة، أبرز هذه الاتهامات:
الاعتداء على أملاك الحكومة، الدخول إلى مناطق محظورة، مخالفة الأوامر القانونية...!!
أين مخرجو الأفلام الوثائقية؟ وأين مَن ينزعون عن سكان النقب فلسطينيتهم، يسمونهم؛ "البدو العرب"؟ وأين مَن يتهمونهم كلَّهم؛ بأنهم يسمحون لأبنائهم بالتجنُّد في جيش إسرائيل؟!!