سري سمور - فلسطين - " وكالة أخبار المرأة "

أحد رفقائي في الحج قبل أربعة أعوام كان مدير مدرسة متقاعدا من منطقة تقع جنوب محافظة الخليل، جنوب الضفة الغربية في فلسطين. و(أبو محمد) وهذه كنيته فعلا، رجل مع تقدمه النسبي في السن، يبدو بحالة صحية جيدة، وحالته المادية جيدة كما قال لنا هو وبعض أقاربه وأبناء منطقته. وقد حدثنا (أبو محمد) عن زواجه الثاني فقال:
بعد 30 عاماً من العمل في التعليم، وتربية الأغنام، كان استحقاق نهاية الخدمة، هو مبلغ من المال يكفي كي أزوج أولادي الشباب، وأن أبني لكل منهم بيتاً في أرضنا، وما تبقى أوزعه بينهم، وأبتاع عدداً إضافيا من رؤوس الماشية.. حتى الآن الأمر عادي في حكاية الحاج أبو محمد، الذي تابع قائلا: فجاءت زوجتي (أم محمد) الله يبارك فيها وقالت لي بلهجة النصح الحازم: أبو محمد اسمعني، أولادنا بعد ما يتزوجون سينشغل كل منهم بامرأته وأولاده وحالته، ولن يكترثوا بنا إلا في فضول الأوقات.. هذا إذا انتبهوا لنا أصلا.
فأنا أقول (والكلام لأم محمد): ابني لهم وزوجهم، ولكن اعمل حسابك أبحث لك عن بنت حلال (زوجة جديدة) لأني كبرت وأنت كبرت، وبنت الحلال تكون معنا وتعتني بنا، بعد هذا العمر والتعب والكدّ. أبو محمد رد على زوجته (أم محمد) أن الأولوية للأولاد وأنك يا أم محمد تقولين هذا الكلام ليس من باب النصح الجدّي، بل من باب الدعابة والمزاح. لكن أم محمد انفعلت وأكدت أنها تطرح فكرة تزويج زوجها (أبو محمد) بجدية تبتعد عن المزاح أو (جس النبض)، بل وأقسمت، وسارت في الموضوع فعلا!
وسألنا أبا محمد وقد استبد بنا الشوق لسماع باقي الحكاية: وهل بحثت فعلا وزوّجتك؟
- آه، والله هذا ما حدث منذ بضع سنين.. بنيت للأولاد وزوجتهم وأم محمد زوجتني.
-  وهل لك ذرية من الزوجة الجديدة؟
- نعم، ثلاثة ولله الحمد.
- وكيف علاقة الزوجتين ببعضهما؟
-  أوه، مثل الأخوات ولله الحمد، ما في أي مشكلة بينهما.
أبو محمد لاحظ ابتسامتنا المندهشة من حكايته، فاستدرك موضحاً: أنا أعرف أن هذا عندكم في الشمال شيء غريب لا يحدث، لكن عندنا عادي وليس هناك مشكلة كبيرة.. لكن أنتم (مبتسما) الوضع مختلف عندكم أعرف هذا.
كلام الحاج (أبو محمد) صحيح، والمقصود بالشمال هو شمال الضفة الغربية (نابلس وجنين وطولكرم وقلقيلية) ومع أن مساحة الضفة الغربية ليست كبيرة (أقل من 6 آلاف كم2) وعدد سكانها تقريبا (3 مليون) أي بعدد سكان مدينة عربية كبيرة؛ ولكن عندنا تنوّع ثريّ وغزير في أشياء كثيرة، منها بعض الأمور الاجتماعية، وخاصة موضوع تعدد الزوجات وبالأخص ما ذكره أبو محمد، أي سعي الزوجة الأولى لتزويج زوجها من الثانية بغض النظر عن السبب، وهذا لا يعني أننا سكان شمال الضفة الغربية لن تجد عندنا حالات مشابهة، ولكنها تتسم بالندرة الشديدة، عدداً وفي أزمان متباعدة.. ولا داعي للبحث عن الأسباب والخلفيات الاقتصادية والنفسية والاجتماعية المختلفة، لأن شرحها يطول ويتشعب.
كما أن حديثي ليس خاصاً بالخليل أو جنين أو نابلس أو غزة أو فلسطين بل هو يتعلق بالعرب والمسلمين، الذين يباح لهم التعدد شرعاً؛ فإن هناك صورة مشابهة لحالة أبو محمد، وتشابه لمسألة التوزيع المناطقي لقبول موضوع تعدد الزوجات اجتماعيا ونفسيا، دون مشكلات عائلية أو غيرها. فالأمر يختلف بالـتأكيد في مناطق الدلتا المصرية، وهذه الدلتا تختلف عن مناطق الجنوب والصعيد، والولايات الجنوبية في الجزائر تختلف نظرة أهلها للأمر عن الولايات الوسطى والشمالية (كما تشير بعض التقارير).. مثلما يختلف الأمر في مناطق أي قُطر عربي آخر خصوصاً، وبين الأقطار العربية نفسها عموما، فالتعدد في الخليج نسبته أعلى من مناطق أخرى.
أوروبا قارة اللقطاء!
اطلعت على تقرير مفاده أن 43% من مواليد القارة التي توصف بالعجوز أحيانا، ولدوا خارج الزواج أي أنهم لقطاء، حسب وكالة الأناضول قبل شهور قليلة! وبحسب تقرير نشره موقع (بي بي سي نيوز بالعربية) في سنة 2013م فإن المواليد في بريطانيا خارج إطار الزواج يتوقع أن تصل نسبتهم إلى 50% ويشير نفس التقرير أن النسبة كانت لا تزيد عن 4% في عام 1938م.. ويمكن أن نـقدر النسبة أواخر القرن التاسع عشر مثلا! وهناك دعوات في بريطانيا إلى تشجيع الزواج عبر محفزات مالية، وثمة مخاوف من التراجع الملحوظ في نسبة المتزوجين.
وكان لفرنسا (ملهمة المتغربين من ربعنا) الصدارة حيث أن 60% من المواليد أبناء زنى، أو بالتعبير الصحفي الشائع (مواليد خارج إطار الزواج) حسب موقع(يورونيوز)، وفي السويد حسب ذات المصدر حوالي 55% أما في هولندا فالنسبة حوالي 50% ومع أننا في المشرق العربي والإسلامي ننظر بإعجاب إلى أوروبا، نظرا للحالة السيئة لدينا من فساد سياسي واقتصادي، وتخلف علمي، وتراجع حاد في الخدمات الصحية والتعليم وتهالك البنى التحتية، وظروف الحروب والفقر والبطالة التي دفعت عددا منا إلى ركوب البحر مجازفة لعلهم يصلون إلى برّ الأمان الأوروبي.
إلا أنني لا أحسب حتى أكثر المعجبين أو التغريبيين في صفوفنا يريد أن نصل إلى الحالة المذكورة في أوروبا، بل حتى إلى جزء يسير منها؛ أي أن يكون في بلادنا مواليد لقطاء أو بالتعبير الصريح (أولاد زنى) يقدرون بنسبة من مجموع السكان، فهذا أمر لا يقبله أي منا، مهما كان بعيداً عن الالتزام الديني، فمؤسسة الأسرة، ربما هي ما بقي لنا، من شيء مميز نفاخر به، على الرغم من محاولات شرسة للنيل منها، وقد تأثرت ونالتها خدوش، ولكن السمة العامة للأسرة أنها ما زالت متماسكة، بحمد الله وفضله.
الآن، ما علاقة أوروبا وازدياد اللقطاء فيها، بموضوع تعدد الزوجات؟!
إن العلاقة قوية ومباشرة ومتشابكة؛ فالقوم في تلك البلاد في العقود الأخيرة جعلوا الانفتاح وما يعرف بـ (الحريات الجنسية) عنوانا بارزاً وسمة اجتماعية عندهم، وهم يرغبون في تصدير هذه البضائع الفاسدة للآخرين، ونحن في المقدمة/الأولوية من (الآخرين) في نظرهم. فالعلاقة بين الجنسين تقوم هنالك على التراضي الفردي، وإذا شاء الرجل والمرأة، بعد علاقة قد تسفر عن مولود/مواليد الارتباط بعقد زواج رسمي، فهذا يعود لهما.
وشاعت ظاهرة ما يعرف بـ(Single Mothers) كتعبير عن الأمهات اللواتي يلدن وهن غير متزوجات، وغني عن القول أن الحمل والإنجاب في مثل تلك العلاقات هو الاستثناء، لا القاعدة، أي أن العلاقات غير الشرعية (بمفهومنا) بنسبتها وعددها أكبر بكثير جدا من أن تقاس بما ينتج عنها من الحمل السفاح. ناهيك عن تحول الشذوذ الجنسي إلى سلوك معترف به، فيمكن وفق القانون أن يرتبط الشواذ وتكون لهم حقوق أزواج كاملة!
وبالتوازي هناك تشدد في إجراءات الطلاق، مع أن الاتحاد الأوروبي لم يتوافق على قانون موحد لهذه المسألة، والزوجة تأخذ تسويات مالية قد تصل إلى 50% مما يملكه مطلقها! فدول (الفرنجة) جعلت التعدد متاحاً ومباحاً، ولكن دون عقد رسمي، والعقد طبعاً له التزامات وتتبعه ارتباطات متشعبة، ويمكن التأكد من هذه الحقيقة من شهادة ورأي (المعددين) في مجتمعنا. وبما أن الملف مفتوح كما عنونت المقالة فسأتحدث بمشيئة الله بتوسع أكثر في المقال القادم.