د. وصفي عاشور أبو زيد - " وكالة أخبار المرأة "

كثير من الزوجات إذا طُلقتْ ينظر إليها المجتمع نظرة غير سوية، فيقولون: إنها فشلت في حياتها الزوجية، ومن ثم تكون فرصها في الزواج مرة أخرى أقل، لكن المشكلة ليست في قلة فرصتها في الزواج ثانية فقط، وإنما المشكلة الأكبر عندها هي؛ إذ قد تظن بنفسها أنها غير قادرة على إقامة الحياة الزوجية، وبخاصة إذا قضت في الحياة الزوجية سنة أو سنتين فقط – كما هي نسب الطلاق حيث تكون أكثر في بدايات الزواج - فإنها تأخذ خلفية سوداء قاتمة السواد عن الرجال وعن الحياة الزوجية، وأن كل الرجال مثل هذا الزوج! الذي ربما كان سيء الخلق والعشرة معها، ولا يعرف معنى وجود الأنثى في حياة الرجل، ولا كيف تُعامَل الزوجات، ولا كيف تقام الحياة الزوجية؛ فهو يتعامل مع قرينته كما كان يتعامل كابن في بيت أبيه، ولا يلحظ الفرق بين حياته السابقة، وحياته الجديدة التي أصبحت جديدة ومختلفة.
وكذلك الرجال الذين طلقوا زوجاتهم في بداية الحياة الزوجية تكون فرصتهم في الاقتران بثانية أكثر تعقيدا، فسوف يتضاعف الاستفسار من قبل أهل الزوجة الجديدة عن هذا الزوج، من حيث أخلاقه وأسرته، ومن حيث أسباب طلاقه، ولكن المشكلة كذلك ليست هنا فقط، وإنما المشكلة الأكبر في أنه يأخذ فكرة غير سوية وغير صحيحة وغير صحية عن الحياة الزوجية، وأن كل النساء سيكونون بالضرورة مثل طليقته، وربما كانت امرأة لا تقدر الحياة الزوجية، ولا تعرف معنى وجود الرجل في حياة الأنثى، ولا كيف يُعامَل الأزواج؛ فهي تعامله كما كانت تتعامل في بيت أبيها كبنت، وليست كزوجة مسئولة انتقلت من حياة إلى حياة جديدة ومختلفة.
أيتها المطلقة: لا يلزم من طلاقك أن كل الرجال مثل هذا الزوج الذي ربما لم تكوني متوافقة معه، أو كان سيء العشرة معك، وفي الوقت نفسه لستِ فاشلة في إقامة حياة زوجية سعيدة، فهناك من الرجال من يمكن أن تقيمين معه هذه الحياة. وأيها المطلِّق: لا يلزم من طلاقك أنك فاشل كذلك في إقامة حياة زوجية مقدرة، ولا أن كل النساء مثل طليقتك، فقد تجد سعادتك مع أخرى، حين يرزقك الله من تتوافق معك، ومن تفقه معنى الحياة الزوجية بما تقتضيه من حقوق وواجبات، وعدل وإحسان.
وهناك نقطة أخرى مهمة يجب الإشارة إليها، وهي أن الطلاق لا يعني سوء الخلق دائما، قد يعني أن الزوجين أو كليهما سيء الخلق والعشرة، لكن قد يعني هذا في الوقت نفسه أن الزوجين غير متوافقين: هذا يفكر بطريقة، وتلك تفكر بطريقة أخرى، هذه تربت بطريقة تختلف تماما في المنطلقات والاهتمامات ونمط الحياة، وهذا تربى بطريقة معاكسة تماما، ومن هنا يقع النزاع والشقاق ومن ثم الفراق.
باختصار شديد: الطلاق لا يعني الفشل في إٌقامة حياة زوجية دائما، ولا يعني سوء الخلق دائما كذلك، رغم أنه قد يعني الفشل في بعض الأحيان، وقد يعني سوء المعاشرة في بعضها كذلك، ولكن لا يعني ذلك دائما، وإنما يعني أن التوافق لم يكن ممكنًا، وقد يكون ممكنًا في حالات أخرى، والطلاق ليس عيبا ولا عارا، لأنه أمر شرعه الله تعالى، وهو أعلم بمن خلق، فرب حياة زوجية قائمة وهي في حكم المنتهية، ورب زوجين يعيشان معًا لكنهما منفصلان شعوريا منذ سنين، والذي يحملهم على الحياة هو وجود الأولاد، فإّن قضيا رسالتهما مع الأولاد كان الطلاق والفراق، فرب حياة زوجية مفارقتها أفضل من البقاء فيها، "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ"، والإنسان لن يعيش الحياة مرتين، فيجب أن يدرس حالته، ويأخذ قراره؛ ليُسعد نفسه، ويسعد من معه، ويقضي حياته سعيدًا، فالله تعالى لم يخلقنا لنعيش تعساء حزانى، وإنما خلقنا لنسعد في هذه الحياة، ونُسعدَ الآخرين: "طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى".