رجاء عصافرة - " وكالة أخبار المرأة "

إلى أبي الذي لم يحبني أبداً.. هناك حيث الزاوية المظلمة في بيتنا الصغير وُلِدْتُ، وأُسْمِيتُ باسمي رجاء الذي يحمِلُ من الصفات الكثير.. والذي له ما يفسر معناه فيما بعد. كنتُ ابنة أيامٍ حين أتى ذاك الرجل وأعطاني اسمه ليصبح اسمي مرتبطٌ باسمه طولَ عمري. مضت الأيام كبرت ولم أكبر إلا بجهد رجل لا يحبني فهو لم يدَّخِر شيئاً باستطاعته فعله في طفولتي إلا وقد صنعه، رغم أنه لا يحبني.
كنت طفلةً مجتهدةً أكتسبُ كلَّ صفاتِ ذاكَ الرجل على عكس أخواتي؛ حبي للمطالعة والتاريخ، وعشقي للسياسة والتغيير، بحثي عن كل جديد، وتقصي للحقيقة في أي وقت وأي مكان، أخذ عنه كل ما يجعلني مميزة بين أقراني، وما يجعل كل من يراني يقول هي ابنة ذلك الرجل.. أكتسبُ منه حتى ملامحَ الوجه حتى أنني كنت أكثر أخواتي شبهاً به، مع أنه لا يحبني!
مضت سنواتٌ طويلةٌ وأنا أعيشُ في كنفه وتحت سقف بيته يبذلُ كُلَّ غالٍ ورخيصٍ لسعادتي وإخوتي؛ يحرم نفسه ويعطينا.. يدارينا وربنا.. يسهر على راحتنا، ويحاول أن يجعلنا مختلفين عن الكل من ناحية التربية والتعامل، العلم والثقافة، ويروينا كل مبادئ، ويعلمنا أنَّ أغلى ما لدينا كرامتنا وديننا.. تعلمت واجتهدت وكنت المتفوقة دائماً.. وكانوا ينعتوني باسم ذلك الرجل.. وأنا أفكر طيلة الوقت لم يفعل كل ذاك، لماذا يقدم كل هذا وهو لا يحبني؟!
كل ما كبرت أكثر بذل أكثر وقدم أكثر.. يقربنا الحب وما أظنه فرَّقنا أبداً.. أحبه جداً وأحترمه جداً وأحب أن يفخر بي جداً.. ولكنه لا يحبني! رسمت اسمي بين المتفوقين يوماً ويسألني بكل برود عن نتيجتي فأخبره أنني متفوقة فيرد عليَّ أنني كنت متوقعاً.. طبعاً فهو لا يحبني.. جادلته يوماً بشيءٍ من الدين فقال لي أنَّي ابنة صالحة بارَّة وأرى الجنة مثواك يوماً؛ فابتسمت وقلت ولكنه لا يحبني! تحمَّل تقصيري ومزاجيتي وسوء تعاملي ككل ابن يسيءُ تعامله مع أبيه وكيف له أن يعامله بما يليق به وهو أبٌ قدَّم كُلَّ شيء. أيُّ احترامٍ يليقُ به، وأيُّ وُدٍّ يمكن أن يؤدي جزءاً من تضحيته ولكنه لا يحبني!
مضت الأيام واعتدت على حضوره وصوته في البيت، أوامره وإرشاداته، تلبيته لطلباتي، وتقديم كل ما لديه لأجلي. كنت صغيرة جداً حين ظننت أن الحب يكون بكلمة أحبك، فلا زلت أردد أنه لا يحبني، كنت ضعيفة حين نظرت للأمر بهذه السطحية وأنا التي رباني على صنع هدف لي في كل طريق، وهو الذي علمني أن أنظر للأمور من العمق، ألا يكون للسطحية مجال في حياتي، كبرت وعرفت أن الحب أكبر من ذلك كله.
الآن كبرت وعرفت يا أبي.. الآن شعرت بمعنى الحب الحقيقي.. بمعنى أن يكون لديك أب.. تبتعد عنه فيقترب.. تقسو فيحنو.. الآن فقط عرفت الترجمة لكل ما سبق.. ذاك هو الحب.. عرفت معنى البعد الذي كنت أراه، كان قرباً ولكني لم أبصر قط، الآن عرفت أن أبي هو المعنى الحقيقي للحب، هو الأمان يوم أن نفقد الثقة في هذا العالم، هو الصدق والإخلاص حين نضيع في دنيا النفاق، هو السبب الحقيقي للحياة.
إلى أبي الذي لم يحبني أحدٌ مثله.. أحبك عن كُلِّ ثانيةٍ أفنيتَها من عمرك حباً وعطاءً لنا.. أحبك عن كل دعائك وفخر.. ودك وقربك.. أحبك بحجم تقصيري وبذلك، أحبك بتلك التجاعيد التي تعلو وجهك، بلون السواد الذي يكسو تحت عينيك، هي تذكرة التضحية في حياتك، هي الدليل على مقدار ما قدمت لنا من حب، وما قدمت لك من تقصير.. أحبك بحجم وجعي وجعك.. أحبك بكل ما أتنفس.. أحبك بكل ما نودي اسمي وتزين باسمك بعده!