" وكالة أخبار المرأة "

بشكل غير مسبوق، لم يكُن 2018 عامًا عاديًا في حياة المرأة الإثيوبية التي بزغ نجمها أخيرًا تحت مِظلة رئيس الوزراء الطَموح، آبي أحمد، الذي مكّنها من تقلّد مناصب هامة وصلت حدّ تولّيها رئاسة الدولة، في ذلك البلد الأفريقي الذي لطالما حصر المرأة في الأدوار التقليدية.
تنحصر أدوار النساء الإثيوبيات، اللائي يُشكّلن حوالي نصف عدد السكان البالغ 102.5 مليون نسمة، إلى حدٍ كبير في الأدوار التقليدية، لاسيّما في المناطق الريفية، حيث يقضين معظم الوقت في المنزل لرعاية الأطفال، وجلب الأخشاب والمياه من الأنهار، وإزالة الأعشاب الضارة ونقل الحبوب، وفق هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي).
ووفق إحصاءات حكومية، فإن ما يقرب من 25 بالمائة منهن يتركن معظم القرارات في يد أزواجهن، وحوالي 50 بالمائة يتعرّض للعنف من جانب أزواجهن، وأقل من 20 بالمائة يلتحقن بالتعليم الثانوي، وأكثر من 40 بالمائة يتزوجن قبل بلوغهن الـ18.
الأمر الذي أكّدته هيلينا بيرهان، مستشارة الشؤون الجنسانية والقانونية بإثيوبيا، قائلة إن "النظام الأبوي هو أساس مجتمعنا. نتعلم منذ نعومة أظافرنا أن نحتقر النساء".
"عام المرأة الإثيوبية"
ينظر كثيرون إلى 2018 باعتباره "عام المرأة الإثيوبية" بلا مُنازِع؛ حيث تقلّدت مناصب تنفيذية وتشريعية رفيعة بدأت في فبراير الماضي، بتولّي السفيرة ساميا زكريا رئاسة المجلس الوطني للانتخابات (الجهة المُشرفة على الانتخابات في إثيوبيا).
وللمرة الأولى في تاريخ إثيوبيا والقارة الإفريقية، منح آبي أحمد (42 عامًا) نصف الحقائب الوزارية العشرين، بما فيها حقيبة الدفاع، إلى النساء في حكومته الجديدة التي كلّفها في أكتوبر الماضي، وذلك على النقيض من سلفه هايلي ماريام ديسالين الذي شغلت النساء في حكومته 4 حقائب وزارية فقط.
ووُضِعت المهام الأمنية والدفاعية للبلاد في أيدي نساء، بعد تعيين وزيرة البناء السابقة عائشة محمد موسى على رأس وزارة الدفاع، كأول امرأة مسلمة تتولى هذا المنصب في تاريخ إثيوبي، خلفًا للوزير السابق موتوما مكاسا.
فيما تولّت رئيسة البرلمان الإثيوبية المُستقيلة، مفرحات كامل، مهام وزارة السلام التي استُحِدثت في أكتوبر الماضي، وتُشرف على جهاز الاستخبارات والأمن الوطني ووكالة أمن شبكات المعلومات ومفوضيّة الشرطة الفيدرالية، وستُعنى بمعالجة الكثير من الاضطرابات العرقية التي اجتاحت الريف منذ إصلاحات آبي.
وقال آبي في البرلمان: "ستدحض وزيراتنا المثل القائل بأن المرأة لا يمكنها القيادة"، بحسب وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية (إينا).
وصفت البي بي سي تعيين هاتين السيدتين بأنه "تاريخي"؛ لاسيّما وأنهما مسلمتان تنحدران من أقليات عرقية لم تنل من قبل فرصة تولّي مناصب حيوية كهذه.
رغم عدم درايتهما بالشؤون العسكرية أو الشرطية، تُعرف المسؤولتان الإثيوبيتان بثقلهما السياسي، في الوقت المُرجّح أن يزداد نفوذ وزيرة الدفاع عائشة محمد حال ترأست أحد الأحزاب الأربعة التي تُشكّل الائتلاف الحاكم، وهو الجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي، المعروف بـ(الجبهة الشعبية الثورية الديمقراطية).
وفي تصريحات سابقة، اعتبر آبي أن "المرأة ستساعد في محاربة الفساد لأنها أكثر كفاءة، وأقل فسادًا من الرجل". وأضاف أنه يسعى أيضًا إلى تمكين الأقليّات التي لم يتمتع أفرادها بأي مواقع قيادية من قبل، في تحدٍ رئيسي لأمة خسرت مئات الأرواح بسبب العنف العرقي والسياسي منذ 2015.
رئاسة فخرية.. "وجه إثيوبيا الأنثوي"
بعد أقل من أسبوعين على إعلان التشكيل الوزاري، صادق البرلمان الإثيوبي، الذي يُهيمن عليه الرجال، على تعيين السفيرة سهلي ورق زودي، خلفًا للرئيس ملاتو تشومي، لتصبح وجه إثيوبيا الجديد كأول رئيسة في تاريخ البلاد، والسيدة الوحيدة التي تتولى رئاسة بلاد في القارة السمراء حاليًا.
تُمثّل المسؤولة السابقة في الأمم المتحدة رابع رئيس يحكم إثيوبيا منذ إقرار دستور 1995، الذي ينص على انتخاب الرئيس لولايتين مدة كل منها 3 سنوات فقط.
ويُعد منصب الرئاسة في إثيوبيا "فخريًا"؛ إذ يتبع في الحكم النظام البرلماني، ومن ثمّ يتولى السلطة الفعلية رئيس الوزراء.
برغم منصبها الفخري إلى حدِ كبير، فإن سهلي زودي تمثّل إثيوبيا في بعض المحافل الدولية، بما يُعزز صورة المرأة الإثيوبية ويُسلط الضوء على الحاجة إلى زيادة التمثيل النسائي في الحكومات الأفريقية الأخرى، بحسب بي بي سي.
تُعرف سهلي، الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريس في الاتحاد الأفريقي، بـ"الدبلوماسية المُخضرمة" بحكم عملها في عدد من الدوائر الدبلوماسية على المستويين الأفريقي والدولي.
وفي خطاب تنصيبها، قالت: "خلال ولايتي، سأركز على دور النساء من أجل ضمان السلام وعلى مكاسب السلام للنساء"، مُشيرة إلى أن "التغييرات التي أُنجِزت حاليا في إثيوبيا يقوم بها رجال ونساء معًا".
خطوة استثنائية.. مناصب للمرة الأولى
وفي خطوة استثنائية، عُيّنت المحامية الشهيرة في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان، ميازا أشيفاني، رئيسة للمحكمة العُليا، وهي المرة الأولى التي تتولى فيها امرأة هذا المنصب المهم في البلاد.
اشتُهِرت ميازا بدفاعها عن فتاة في الرابعة عشر من العمر كانت قد اتُهِمت بقتل رجل اغتصبها ليتمكن بعدها من الزواج منها، ليتحوّل هذا الحادث إلى فيلم عن ظاهرة زواج القاصرات، أنتجته الممثلة الأمريكية أنجلينا جولي في 2014.
عَمِلت ميازا في المحكمة العُليا، وشاركت في صياغة الدستور الإثيوبي، وأسست جمعية النساء المحاميات الإثيوبيات، وساعدت في تأسيس أول بنك نسائي في البلاد، بحسب تقارير محلية.
وعُيّنت خبيرة الاتصالات، بيلين أستر سيوم، كأمينة صحفية لرئيس الوزراء الإثيوبي. وعينت اللجنة التنفيذية للاتحاد الإثيوبي لألعاب القوى درارتو تولو كرئيسة مؤقتة للاتحاد، خلفًا لهايلي جيبرسيلاسي المُستقيل.
كما تم تعيين المعارضة والناشطة الحقوقية، برتكان مقديسا، رئيسة للجنة العليا للانتخابات، بعد أسابيع فقط من عودتها من الولايات المتحدة بموجب عفو رئاسي، وبعد 13 عامًا من سجنها في تداعيات شابها العنف لانتخابات محل نزاع أجريت في 2005.
ومن المُقرر أن تقود برتكان جهود تنظيم الانتخابات المُزمع إجراؤها في 2020.
وكانت برتكان، وهي قاضية سابقة، أُدينت بمحاولة إسقاط الدولة بعد خروج محتجين إلى الشوارع متهمين الحكومة بتزوير انتخابات عام 2005.
وحصلت على عفو في 2007 بعد ضغوط من منظمة العفو الدولية ومنظمات حقوقية أخرى وبعض القوى الغربية، لكن أُلغي العفو واستؤنف العمل بالحكم بسجنها مدى الحياة بعد ذلك بعام حتى حصلت على عفو جديد في 2010، وفق رويترز.
صعود على وقع الاضطرابات
ورغم ذلك يُشكّك البعض في دوافع تمكين المرأة في البلاد، لاسيّما وأنه تزامن مع احتجاجات مُناهِضة للحكومة عاثت الفوضى في إثيوبيا لنحو 13 شهرًا، نظّمها أبناء أكبر عرقيتين في البلد: الأورومو، التي ينتمي إليها آبي أحمد، والأمهارا.
وقالت مجموعات حقوقية إن 500 شخص على الأقل ماتوا خلال الاحتجاجات.
واعتقلت السلطات الإثيوبية 1600 شخص. وقال وزير حكومي لبي بي سي إن هذا الإجراء "يهدف إلى فرض الأمن في البلد".
كانت السلطات الإثيوبية أعلنت حالة طوارئ في 9 أكتوبر لمدة 6 أشهر. بموجب ذلك يمكن للأمن اعتقال أفراد دون الحاجة إلى مذكرات توقيف.
مخاوف وشكوك
كما يشعر البعض بالقلق من عدم كِفاية هذه التغييرات للتصدّي للتحيّز العميق ضد النساء في إثيوبيا، وما يتبعه من مضايقات وعنف في البلاد التي تقع بالقرب من قاع تصنيف الأمم المتحدة بشأن المساواة بين الجنسين في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.
وأعرب الأكاديمي بجامعة ميكيلي الإثيوبية، ميكون فيشا، عن مخاوفه بالقول: "إذا كان رئيس الوزراء أجرى هذه التعيينات لتجنّب التحديات المتعلقة بالمساواة بين الجنسين، وبثّ ثقافة جديدة تقول (نعم لشغل النساء مناصب حيوية في المجتمع)، فهذا الأمر لن يحل مشاكل البلاد".
لكن السيدة هيلينا، استشارية الشؤون الجنسانية والقانونية، رفضت هذه المخاوف قائلة: "لا أعتقد أن هؤلاء النساء وصلن إلى السلطة سخاءً من آبي أو المجتمع أو النظام الحاكم، لكنه نِتاج عملهن الشاق وسعيهن الدائم. لذا يجب علينا، كنساء، ألا ننظر إلى الأمر باعتباره معروف أو جَميل"، بحسب بي بي سي.