الكاتبة الصحفية: فاطمة كمون - تونس - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

يسألني المساء كل مرة حين ارتمي في احضانه منهكة :من أنتِ ..؟حسنا بعد ان انهي قهوتي سأجيبك ..فقط لن اختصر الحكايات المركبة و انا أسرد وديان الزمن ...
انا إمرأة من كتب التاريخ ،لم يحدد لي ضابط الحالة المدنية حقبة الميلاد ربما من زمن العقد الحجري،أو ربما مازالت جدتي تعاني المخاض ولم تولد أمي بعد،.. فقط أتذكر حين ارتشف القهوة انني اريد أن أختصر مسافة ألف ميلٍ بنظرة واحدة ، أعيش معك دقيقة كمواقيت الشمس و القمر أتناول  حبا عابرا دون وصفة، ولا اعرف أعراضه الجانبية. تغادرفي لمحة عين ورعشة جفن ، ويجرى العمر راكضا دون هوادة وتشيخ الذكرى معك ارجو العمر أن يتوقف قليلاً لنتفاهم ...هو لا يعلم  همسنا في وميض الوداع حين يغيب حراس الفضيلة، لم يلاحظ من حولنا انني وأنت كشجرتين يمر بيننا الناس ولا يعلمون أن جذورنا تتعانق...حدثوني كثيرا عن زرقاء اليمامة كيف ترى القوافل فحلمت بتبصرمثلهاـ وآرتدى حلمي ثوبا طويلا .
عندك فقط ايها المساء تغمرني مجاديف من قوة حتى لا أستنشق رائحة الدخان ولا أعطس على بوابة الروح..هنا تحترق هذه القطعة التي ترفض الهدوء والسكينة...رغم خيانة الذاكرة ووجعها وصمتُ الأشياء من حولي ، لغم ضبابية الذكرى وتشوشها ،لا ارى الا أفواه خرساء وديان غائرة لا تتكلم ،تبتلع أحينا لتجترّ في ظلمة الصمت الصور..
ليس ذنبي أنّ الدروب شائكة و عميقة الجوف، ملتوية وتنعدم فيها الاشارات، تلتهم كل عابر منها بشراهة ....ربما هي تكره أصحاب القلوب الفقيرة الذين يحاولون دوما أن يحدثوا بها صعقة معجزة لتتحول لشرارة دون ان يعبدوا طرق المحبة لتنبض فيض من خير ورغبة مشتهاة ...
معك ايها المساء اعيش محاولات نسيان آثم لجروح وطن ينزف ...ينفث من صدره دخان سجائرمحرّمة لم يجفف الصيف حشائشها ..فأعيش معه سعال الوجع و غربة الروح و الجسد الجانح فتقاسم آهاتا بلا رغبة و أحلاما يتيمة لم تتحقق حتى في فورة الغضب الحزين ....لحظات و محطات أنين صامت عصر بها الزمان قهره ،فكان محفزا للاختلاء بالمساءات ،فتعزف مرحبة على عودها ترنيمة العودة والحنين باحترافية خارقة ، وقبل ان يعمُ الظلام تمنحني نورا بين أضلع الصمت  يدفع جسدي المشتعل لأراقص القمر...
بكل بساطة أشعر أنني أولد من جديد لأقاوم... أنني أنتمي للمدن العتيقة البعيدة، لطوب الأرض المالح، لقلوب المنازل المهجورة.. لغبار الطرق غير المعبدة التي تبعث ذراتها لتغطي الملفات المهملة في خزائن المسؤولين...أنتمي لجدران الأنهج التي نُهب طلائها فتعرت لتشكف سوءاتهم الفاضحة...
مازلت أرتدي خصلات الطفلة  رغم غزو الشيب فيها ،واركض بالطريق حافية ،وأفك ازرار الصباح الخجول مبتسمة بعفوية لمن يعترضني ،واعود اليك لاتدفأ بثوبك بعد ان ينهكني اليوم..
أنا تلك الفتاة العجوز التي تقطف خلسة رحيق أمنية ،لتداعب الزمن حتى  لا يفترسها منتشيا بلا خمرة ..وترتطم عمدا بأسوار الدهشة وتتبع التفاصيل الصغيرة التافهة لمن تحب بشوق كبير...
رغم اني اعلمتك انني لا اعرف تحديدا زمن ميلادي الا اني اتذكر اني قرأت عن الحروب المتنوعة ،لكني أضعت تفاصيل البدايات فيها ربما على أزرار المذياع او ربما سقطت مني على حافة الكتب ، لا ادري ان كانت في خبر عاجل او سرد رواية او صياغة مؤرخ أو حتى على فخذ الجدات وشما حين كنّ يسردنها..
انا قديمة ايها المساء ربما قدم القهوة عندما كان يعد في البيوت ويطحن على الحجر،أو الركوة الموروثة ولا اعرف من أول من اشتراها..
لا أصلح لحكايات الحبّ فقد غرقت سفينته في بحر الأمنيات ولا تأليف نوتة الموسيقى فسلمي أدراجه مجتلفة "وصوله"  يتسكع في الممرات الضيقة يتحسس ثدي عجوز متصابية ، ولكني اعشق المطرواتسلل للغيوم لاضمها منتشية حتى لا تفرقها الرياح الغادرة ..
هل سئمت ايها المساء.. حسنا بعد ان يهطل المطر سأكمل الحكاية...