رابعة الختام - القاهرة - " وكالة أخبار المرأة "

خلف الجدران أحلام تنتظر من يفتح لها أبواب الأمل، يأخذ بيديها إلى عالم وردي حقيقي تحت ضوء الشمس بعيدا عن عتمة وظلام التهميش، أصوات تخترق جدار الصمت وتصرخ بأمانيها.
الآلاف من الشباب ينتظرون تحقيق أحلامهم ومن بين هؤلاء الشباب رحمة خالد حسين، أول مذيعة تلفزيونية على مستوى العالم مصابة بمتلازمة داون، وبالطبع سبق تحقيق الحلم عدة خطوات وجهد سنوات مضنية. والحكاية كما روتها لي رحمة في حديث مطول، تبدأ من الأم أمل عطيفة، أخصائية التخاطب والتي رزقها الله بطفلة رائعة الجمال، مصابة بمتلازمة داون، اعتبرتها الأم هبّة ومنّة من الله واختبارا حقيقيا لمدى صبرها.
تجلدت حتى تكمل رسالتها مع الابنة، ودربتها على الكثير من الرياضات حتى نالت العديد من الجوائز، وأصبحت بطلة سباحة، والبطلة البارالمبيّة المصرية الأولى من مصابي متلازمة داون، درست بمدرسة الألسن للسياحة والفنادق، قسم خدمات سياحية.
تجاوزت المرض واستصغرته، وتخطت كل الصعوبات التي واجهتها، فبدأت رحمة تدريبات تنمية المهارات والإدراك وجلسات التخاطب وتنمية المهارات الحركية لمدة ثلاث سنوات، وهي في إحدى المدارس لذوي الاحتياجات الخاصة، وكان البيت عبارة عن خلية عمل في حالة انعقاد دائم، إلى أن تم إدخالها مع الأسوياء في مدرسة عادية.
وبذلت إدارة المدرسة بالتعاون مع البيت جهدا مضنيا للوصول إلى مرحلة متقدمة مع الفتاة، وكان التركيز والاهتمام من إدارة المدرسة والمدرسين يفوق المعتاد مع الطلاب، دون تجاهل حاجات الطفلة النفسية والبدنية، فكانت المعادلة تزداد صعوبة للتوفيق بين الوضع الصحي والنفسي والتقدم الدراسي من جهة، والاستمتاع بطفولتها ولعبها مع أقرانها دون تعرضها للتنمر الساخر نظرا لاختلافها الجسدي الواضح من جهة ثانية.
لم يكن الأمر سهلا على طفلة تخطو خطواتها الأولى مع مجتمع لا يقبل الآخر بسهولة، مجتمع إن لم يجد من يتنمر عليه، يتنمر على وضعه، لكن شحنة الدعم النفسي القوية التي تسكبها الأم في قلب الطفلة تمنحها قوة هائلة لتغيير واقعها للأفضل.
ثقة الأم في ابنتها جعلتها بطلة حقيقية، وتصديق رحمة نفسها للحلم حملها على جناحين من فضة وبساط ريح تمتطيه لتحقيق حلمها، ففي سن الثامنة من عمرها، اتجهت إلى الألعاب الرياضية وكانت أول بطولة لها عام 2009، حيث تأهلت لتمثيل مصر في بطولة الألعاب الإقليمية التاسعة، التي أُقيمت في سوريا، وحصلت على أربع ميداليات، ذهبيتين وواحدة فضية، وواحدة برونزية.
وفي عامي 2010 و2011، حصلت على المركز الأول في بطولة السباحة للأولمبياد، وبطولة الجمهورية عام 2010.
كانت دائما أحلامها تفوق الخيال، وتخرج عن إطار النمطية، تفكر خارج الصندوق المغلق، وتحلم بسماء مفتوحة على ألوان الطيف البهية، وقوس قزح.
استضافها الإعلامي شريف عامر لتعرب له عن حبها الشديد للفنان الشاب رامز جلال، وفاجأها جلال بباقة كبيرة من الزهور الحمراء، عانقها وقبّلها على الهواء، وبثبات شديد وقوة شخصية فائقة قالت له: سأقف أمامك يوما ما في تمثيل دور البطولة.
تمنت أن تصبح مذيعة تلفزيونية مشهورة تقف أمام الكاميرات وتمسك بتلابيب الحوار، أمضت عاما كاملا بعد موافقة هشام سليمان، صاحب إحدى القنوات الفضائية الكبيرة على ظهورها على الهواء مباشرة، في قناة “دي.أم.سي” لتفتح الباب على مصراعيه أمام الأحلام السجينة خلف الجدران، لتفك أسرها، تلك الرائعة المتمردة على المألوف، أطلقت لعقلها العنان، وفتحت باب القفص للعصفور المحبوس، فلم يعد للزينة فقط، أصبح من حقه الطيران والتغريد بصوت يعانق السحاب.
أحلامها كتلة من نار، طاقة نور، تشبه قطرة الماء العنيدة التي دأبت على السقوط فوق الصخر كل صباح، وحين تجففها الشمس تنهض من جديد لتعاود السقوط فوق الصخرة، فأذابت الصخور ونبت العشب بين قسوة الصخر، لتطل الزهور برأسها، تفوح عطرا، وتهبنا أريجها.
استقبل فنانو مصر وبعض العرب الخبر بالتشجيع والحب الداعم للفتاة الطموحة.
ولعل الجاذب في قصة رحمة خالد، أنها فتحت طاقة أمل جديدة للشباب من مصابي متلازمة داون وغيرها من أمراض اتخذها أصحابها إعاقات وشماعات يعلقون عليها فشلهم في تحقيق الذات، من أسماهم القانون بذوي الاحتياجات الخاصة، فركنوا إلى التسمية القاضمة للأحلام، وإلصاق الإعاقة بهم طيلة العمر، فحرمتهم الإعاقة من الإبداع والتفرد وحرموا أنفسهم من فرصة إثبات الذات.