القاص والكاتب: عبد الجبار الحمدي - العراق - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

مادي: تطلعت الى ساعة يدها قائلة.. لقد حان موعد زيارتي الى قبر ساندي فأنا في مثل هذا الوقت من كل يوم اذهب لزيارتها هلا انتهينا توم..
توم: كما تشائين ويسرني او اوصلك في طريقي الى المقبرة إن شئت.. وانا اسف على خسارتك مرة اخرى.
تكررت اللقاءات معها عدة مرات، كان شغفها ان يطلب منها ان تزورهم في بيته، لكنه انشغل بعض الشيء حتى اتصلت به وقالت له:
مادي: هالو توم.. كيف حالك اليوم، ارجو ان لا تكون منشغلا في عمل ما وألهيتك عنه
توم: لا أبدا يالها من مفاجأة جميلة، كنت افكر ان اطلبك غير اني ترددت خوفا ان اكون قد اثقلت عليك كما في المرات السابقة، لا اخفي عليك صرت اراني حين اريد الاسترخاء ونسيان من اصبحت اشتاق لرؤيتك وشغف السنين و ولعي بك
مادي: ماذا تقول!!؟
توم: اعتذر إنها زلة لسان، فقد عنيت اني ارتاح كثيرا وأسعد بلحظاتِ قربك، ما رأيك ان نتقابل هذا المساء عندي في المنزل على العشاء مع ابنتي ساندي؟ ففي الغد عطلتها المدرسية ويمكن ان نقضي المساء بطوله معا..
مادي: مذهولة من دعوته.. كيف علم برغبتي في رؤية ابنته والمنزل الذي تعيش فيه؟ لابد انه شعر برغبتي بالتأكيد..
توم: هالو.. مادي اين ذهبت؟ ماذا تقولين؟؟
مادي: عادت الى وعيها ..إني معك لكنها مفاجأة لي، لقد كنت افكر في الطلب منك بأن تدعوني لرؤية ابنتك ساندي لكني كنت محرجة .. غير انك ازلت حاجز الإحراج بدعوتك ... نعم بالتأكيد موافقة فقط حدد الزمن والعنوان
توم: لا عليك سأمر آخذك في الساعة السادسة والنصف مساء أيناسبك ذلك؟
مادي : بالتأكيد انه مناسب تماما
توم: الى اللقاء مادي العزيزة
مادي: الى اللقاء عزيزي توم
شعر توم انها فرصة مواتية ليخبرها عن تعلقه بها وبحبه لها الذي كتمه عنها لسنين خلت، ذاكرا تدخل القدر في ذلك الى جانب انها كانت تحب جيم، فبات مستحيلا ان اقارن بمن احبته حد العيش معه والإنجاب منه، لكن الآن ربما ستكون الفرصة مواتية لمفاتحتها بما في قلبي نحوها من حب قديم، سرعان ما تجدد بأمل حين رؤيتها
شعرت ولأول مرة مادي وهي تدخل منزله بالطمأنينة والهدوء، أنه دافئ مليء مفعم بالحب في كل ركن من اركانه، منزل مرتب بشكل ينم على ان صاحبته كانت ذات ذوق رفيع وحس مرهف، من خلال اللوحات والستائر وأناقة الأثاث، كل شئ فيها يوحي بالاستقرار.. همست في نفسها توم إني احسدك يا عزيزي على ما انت فيه وما آلت إليه حياتك، إنك تستحق كل الخير..
توم: مادي ما رأيك في منزلنا المتواضع انا وساندي؟
مادي: إن فيه من الهدوء والطمأنينة ما يوحي بالحياة الجميلة التي يتمناها كل إنسان
توم: شكرا لك، لكنه الآن وبعد رحيل سارة بات ربما بداخلي كئيبا لولا حبيبتي ساندي
مادي: أين هي؟ أيمكن ان أراها؟
توم: تعالي معي بالتأكيد ستتفاجئين حين تريها وما تفعله في مثل هذا الوقت بالذات
امسكها من يدها يجرها كالاطفال الصغار، وما ان وصل الى باب كبير ادرا وجهه ناحية مادي واضعا اصبعه على فمه وانفه هامسا أششششششش أنصتِ قليلا....
كانت ساندي تعزف على البيانو معزوفة بعنوان القدر بحرفة رائعة، حتى ان مادي بهتت مما سمعت مصعوقة بالمفاجأة!! اقتربت بعض الشئ من الباب وأصغت بكل شغف، ايعقل ان القدر بمعزوفته هاته يحاول ان يرتق جراحي من خلال فتاة صغيرة لم ارها بعد، لكنها تحمل بداخلها احاسيس عميقة رائعة من خلال ترجمتها لموسيقى عالمية لا يجيد عزفها سوى المحترفين، يا إلهي!!! كم انا شغفة لرؤيتها اكثر من قبل، اتجهت الى توم هامسة:
مادي: هل يمكن ان تفتح الباب قليلا لأراها وهي تعزف؟
توم: هازا رأسه بنعم.. فتح الباب قليلا لترى تلك الفتاة الناعمة العود، ذات الشعر الأحمر والوجه المشع بالنضارة والدفء، وضعت يدها على فمها حين شهقت غير انها كانت عالية اوقفت ساندي عن العزف وهي تلتفت نحو الباب لتجد والدها مع مادي .. لتهرول مسرعة اليه صائحة بعد ان رمت نفسها بين ذراعيه
ساندي: أبي ما هذه المفاجأة! عدت باكرا الليلة؟ لقد  اسعدتني بذلك كثيرا
توم: نعم هي مفاجأة، وقد احضرت معي ضيفة عزيزة عليّ، لها هوس مثل هوسك في العزف على البيانو إنها السيدة..
ساندي: لابد انها السيدة مادي التي اخبرتني عنها وحدثتني  كثيرا عنها، زميلتك ايام المرحلة الثانوية والكلية .. فرصة سعيدة سيدتي أن التقيك الليلة، حتى يتسنى لي شكرك على اخراج والدي من دائرة القتامة والحزن التي كانت تحيط به منذ رحيل والدتي الغالية وجدي العزيز.. ثم نظرت الى والدها مكملة حديثها إنها جميلة كما قلت يا أبي
توم: محرج كما هي مادي، هيا ساندي كفي عن هذا الحديث وهيا بنا نجلس قليلا حتى يجهز طعام العشاء
كانت ساعات كأنها العمر كله بالنسبة الى مادي، وهي تدخل الى نفسها وحياتها صوت هذه الفتاة وحيويتها الى داخل اعماقها، كأنها تواسيها دون ان تدري، تمد يد العون لها من الانغماس في بحر مظلم.. خاصة بعد ان تشاركا في العزف على البيانو لنفس المقطوعة التي عاشها توم من خلال لمعان عيناهما وتألقهما في العزف ببراعة لا توصف
توم كان يتطلع الى مادي ونسيانها الكلفة والضحك والحديث والعزف دون تحرج مع ساندي ومعه، كان شعوره لا يوصف حتى شارفت الساعة قرابة الحادية عشر مساء فعلق قائلا:
توم: حبيبتي ساندي جميل ان اراك مفعمة بالحيوية بهذا الشكل لكن الوقت بات متأخرا على موعد نومك، اعلم قبل ان تقولي ان لديك عطلة في الغد، لكن هناك ايضا إلتزامات مدرسية، كما ان السيدة مادي لديها ما يشغلها أليس كذلك؟؟
مادي: رغما عنها.. نعم هو ما يقوله والدك، سعيدة جدا بلقائك ساندي ومسرورة بسماع عزفك ومشاركتي معك
ساندي: حاضنة مادي طابعة قبلة على خدها قائلة: تصبحين علي خير سيدة مادي، اتمنى ان أراك قريبا لنحظى جميعا بمثل هذه الليلة الجميلة .. عمت مساء
استغل توم تلك اللحظات ليُحيي ما بداخله من حب ناحية مادي، مُطلعا إياها على كل شيء، قاسماٌ انه لم ينسها لِلحظة، لكن الظروق ويد القدر هي من حرفت بمصيرهما ليلتقيا بعد عقد من الزمن، يجتمعا وكل يحمل جراحاته وبلسمها في مشاعر الآخر إني احبك مادي .. احبك كثيرا جدا، ولا يمكنني ان اجعلك تختفين هذه المرة من حياتي، ساتمسك بك وساحارب العالم هذه المرة من اجل ان تكوني الى جانبي وفي حياتي حتى الموت
مادي: لا ادري بماذا اجيبك توم!؟ لقد فاجأتني بمشاعرك اتجاهي ، لقد كنت بعيدا كل البعد عن تفكيري، لكني ومذ رأيتك شعرت من لحظتها بأن حياتي ربما ستترمم، بعد ان هدم ركن مهم فيها، وها هي يد القدر نفسها التي امتدت وخطف ابنتي ساندي أعادتها إلي من نافذة اخرى هي نافذة بيتك انت، الذي ادخلتني إياه بظروف تكاد تكون لا يد لك فيها إنما صنعها قدري وقدرك.. مسرورة بِبوحِك، قد لا اكون احمل نفس مشاعرك الجياشة التي اشعر بشعاعها يخرج من ضياء عيونك وحرارتها خلال لهاث انفاسك، لكني سعيدة جدا، لقد بت لا استغني عنك ولا افتأ احب اللقاء بك والحديث معك..
دون تخطيط مسبق اطبق على شفاهها بقبلة ساخنة، جاعلا الصمت وحرارة الحب الكامن بداخله يتحدث عن الرغبة في احتواء احدهما الآخر بحياة دافئة معا وساندي الى الابد بعيدا عن الاحزان وعزف القدر.