الكاتب الصحفي: توفيق أبو شومر - فلسطين - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

قال صديقي:
قصةُ المرأة الفلسطينية كلُّها تُلخِّصُها والدتي، وزوجتي، وابنتي.
 ففي المسافة الفاصلة بين الأجيال الثلاثة تكمن بطولاتُ نساء فلسطين!
أرضعتْني والدتي رائحة النعنع البري، والريحان البيتي، عندما طَردها المحتلون من بيتها من مسقط رأسها، كنتُ وأنا ألتصقُ بجسدها أشُمُّ رائحة الزعتر، وأسمعُ وقعَ قطراتِ المطر تتوحد في دقاتِ قلبِها.
والدتي نسجتْ من جذور عنب بلادي مهديَ الأول، ومن زيت زيتون حقلها لون عينيّ، خاطتْ مهدي بقلائد الفل والياسمين.
والدتي، اعتادتْ أن تُنظِّفَ ثوبَ والدي بماء بئرنا، تُزيل عنه غبارَ المحراث، وهي تُردد في أذن زوجتي:
أرضُنا، لا تنسى نصلَ محاريث أبنائها، وقطرات عرق بناتها، للأرض يا ابنتي طقوسٌ، لها وشمٌ أزليٌ يتسرب إلى جيناتنا، يُلوِّن دماءنا بلون حنُّونِ السهل في ربيعنا.
رصاصةُ المحتل الغاصب قتلتْ والدتي، وهي تحميني بجسدها، ولكنها نقلتْ دفقات شرايينها، ودقات قلبها  إلى قلبي، توحَّدتْ فيَّ، وتوحدتُ فيها.
اعتادتْ والدتي أن توِّرِّثَ زوجتي حكمةً تقول:
 أمنحي المكانةَ والصدارة للرجل، أما إدارةُ الأسرة، وتنظيم حياتها، فهي لكِ أنتِ، أنتِ الملكةُ المُتوَّجةُ في صدر البيت، وهو الملك المتوجُ خارج البيت.
حفظتْ زوجتي درسَ والدتي، أدارتْ شؤونَ أسرتنا بكفاءة منقطعة النظير، أشرفتُ على تعليمهم وتربيتهم، غرستْ في جيناتهم صورة قريةَ أجدادهم التي لم يروها، وصورة حقلهم، اعتادتْ أن تقُصَّ عليهم كيفَ تربو جذورُ أشجارِ البرتقال على وقع حباتِ عَرقِ الجبين، وكيف تتبرعمُ أزهارُ اللوزِ البيضاءُ على نغماتِ دقاتِ القلوب.
                             زوجتي حَمَت بجسدها أبناءها في هجرتهم، عندما طارَدهم جيشُ المحتل في أماكن لجوئهم، عَمِلتْ، وادخرتْ، ليحيَوْا حياةً لائقة.
زوجتي أشرفتْ على تربية حفيدها، أبن الشهيد في معركة النضال، وهي أيضا التي أدارتْ شؤون أسرة ابنها الثاني المعتقل في سجون الاحتلال، المحكوم عليه بخمس عشرة سنة في سجون الاحتلال.
زوجتي، اختارتْ لبناتي الثلاث شركاء حياة، يحملون جينة الوطنية، والتضحيات، ظلَّ مقياسها في الزوجِ مُعتمَدا عند كل أفراد أسرتنا، ظلّ هذا المقياسُ بمثابة الدستور، وليس الحسبَ، والنَّسبَ، والدلالَ، والجمال.
                               أما ابنتي فقد وَرَثَتْ جيناتِ الجدة والأم معا، طبَّقتْ كلَّ ما تعلمته من سيرتهما في غزة المحاصرة، ظلَّ اهتمامُها الرئيس مُكرَّسا على تعليم أبنائها الثلاثة، أشرفت على تثقيفهم، على الرغم من شُحِّ مصادر الرزق، فابتدعت نظاما خاصا للإنفاق الشهري، غرستْ في نفوس أبنائها حب العمل في أوقات الفراغ، ظلَّت دائما تقول لهم:
"ابذلوا العرقَ اليوم، يوفِّر لكم الراحةَ غدا"
ابنتي ظلت تُردد دائما: فلسطين هي البلد الوحيدة التي اعتادتْ أن تنسجَ من قيودها، أكاليلَ ورودٍ، وباقاتِ أملٍ من الحنون والياسمين كي تعلقها في صدر صفحات التاريخ تاجَ فَخار.
ابنتي، تزوجت في عصر الحصار على غزة، بعد أن حصلتْ على شهادة البكالوريوس، أنجبتْ أربعة أطفالٍ، استحضرتْ وصايا وحِكَم والدتي، وأسلوب زوجتي في إدارة البيت، عركتُها تجاربُ الحصار، وشظف الحياة، أدارتْ شؤون الأسرة بامتياز، ظلَّ تعليمُ الأبناء وتربيتُهم، يحظى بالأولوية، فهو الطبقُ الشعبيُ الأكثر شهرة في فلسطين، وهو النبعُ الرئيس للنضال.
ابنتي، امتازتْ بصفة أخرى تُضاف إلى صفات والدتي وزوجتي، وهي أنها بكفاءتها العلمية قرَّرتٍ أن تهزمَ أخطر أنواع الأمراض الاجتماعية المُعدية، التي تنتشر في أوساطِ شبابنا هذه الأيام، مما يدفعُهم للهجرة والإدمان، والشذوذ.
 حقنتْ أبناءها بمضاداتِ الإحباط والتشاؤم، غرسِتْ الأملَ في نفوسهم، وزرعتْ هذا الأمل، وأشرفتْ علي تربيته في أعماقهم، ليتجنبوا مزالقَ الحياة، ويتفوَّقوا في مشاريعِ آمالهم وطموحهم، شجَّعتْ هواياتِ كل واحدٍ منهم، حتى يتمكنوا من اختيار طريق حياتهم، قبل أن يصلوا إلى مرحلة الثانوية العامة.
والدتي، وزوجتي، وابنتي هُنَّ رمزُ المرأةِ الفلسطينية أينما وجدتْ، المرأةُ الفلسطينية، التي عزَّزتْ جبهتهم الداخلية، وخلَّدتْ صفحاتِ تاريخنا النضالي، وقصصَ البطولات.
لا عجبَ إذن، أن نقول إن شراكةَ النساء في نضالنا الوطني، ليست شراكةً ثانوية كما يظنُّ كثيرون، ولكنها شراكةَ الندِّ للند، اقتسمن النضالَ مناصفةً مع الرجال.
في نساء فلسطين  بذورُ الزعتر الجبلي البري، وأريجُ النعنع والريحان، ورهافةُ الحنون، وقامةُ السرو، وصلابةُ شجر البلوط والسندان.