الدكتور: علي عبد السلام المحارمة - الأردن - " وكالة أخبار المرأة "

هناك عدد من العوامل التي تؤثر بفعالية المشاركة السياسية للمرأة الاردنية، وسوف نعالج أبرزها بحلقتين،ولا ندّعي شمولها جميعها:
اولا: الدور المتوقع من المرأة في الثقافة السياسية السائدة:
    ان منظومتنا الثقافية كانت عبر ردح من الزمن تتوقع من المرأة دوراً اجتماعياً ابعد ما يكون عن السياسة، فهي طفلة تساعد والدتها بأعمال البيت في حين يرافق شقيقها والده الى مجالس الرجال والشأن العام؛ وهي مجالس السياسة، ثم المرأة إن تعلمت تصبح زوجة واماً متعلمة لتمتاز عن قريناتها بالتعليم، وإن جابهت هذا الإطار النظري وخرجت منه سوف تلاقي العديد من الصعوبات.
   وربما كان الهدف الاوسع لدى المرأة الاردنية مثلما العربية هو الزواج، وتكوين الاسرة، وهو هدف فطري مشروع، إلا ان جعله الهدف الوحيد لحياتها قد حد من طموحاتها السياسية، وجمّد ابداعاتها واسهاماتها في بناء مجتمعها والنهوض به.
وربما خطورة جعل هذا الهدف هو الأسمى وربما الأوحد لحياة المرأة يبرز عندما تخفق المرأة بتكوين اسرة او عند طلاقها مثلاً،لتصبح وفق منظومتها هي مجرد رقم سلبي في مجتمعها.
وفي هذا السياق فإن سعي المرأة لإكمال تعليمها او الحصول على وظيفة يبقى مجرد وسيلة لتحسين فرصها بزواج ناجح، ولكن ربما غاب عن اذهان اولئك أن خروج المرأة لمجالات الابداع ربما يزيد فرص نجاحهن الاجتماعي.
    وعند سؤالنا السيدة سلوى ناصر المديرة التنفيذية لملتقى سيدات الاعمال عن معوقات المشاركة السياسية للمرأة الاردنية اعتبرت ان اول وأهم تلك المعوقات هي الموروث الثقافي للمجتمع الذي لن يتغير بين ليلة وضحاها، وان الصورة النمطية للمرأة بعيدة عن السياسة، وترى ان هذه الصورة يتم ترسيخها تربويا واعلاميا، وترى ان هذه الصورة المتجسدة بالقيم والعادات والتقاليد في المجتمع اعمق من التغير السريع، ورغم ذلك فلا بد ان نقر بوجود تغير ملموس بالثقافة السياسية تجاه المرأة والادوار المتوقعة من مشاركتها السياسية في العملية السياسية.
وأصبح المجتمع يتقبل وجود المرأة في مواقع صنع القرار ويقيّم ادائها ليس وفقا للنوع الاجتماعي، بل وفق المعايير التي يقيّم بها اداء الرجل.
وربما تبرز هنا اهمية إطلاق مجموعة من الدراسات والابحاث والاستطلاعات التي تتلمس التغيرات التي طرأت على الثقافة السياسية للمجتمع الاردني بشكل عام وجزئية مكانة المرأة فيه بشكل خاص.
ثانيا: واقع المرأة الاقتصادي:
ما زالت الأرقام الرسمية تشير أن معدل المشاركة الاقتصادية المنقح للمرأة الأردنية (قوة العمل للإناث منسوبة إلى عدد السكان من الإناث 15 سنة فأكثر) ما زال منخفضاً جداً ويبلغ حوالي 14.9 % مقارنة مع 64.8 % عند الذكور، وهذه النسبة تراوح مكانها منذ سنوات. وإذا ما قورنت هذه المؤشرات مع واقع حال الدول العربية ودول العالم الثالث الذي تقارب فيها نسبة مشاركة المرأة 30 % وفي الدول المتقدمة تقارب 50 %، الأمر الذي يشير الى عدم فعالية الجهود التي تبذل لزيادة مشاركة المرأة في الحياة الاقتصادية.
من جانب آخر فإن أحدث الأرقام الصادرة عن المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي المتعلقة بالجندر تشير إلى أن نسبة النساء المشتركات في المؤسسة تبلغ حوالي 25.3 % من مجمل المشتركين في المؤسسة. وفي ذات الوقت بينت دراسة مسح فرص العمل التي استحدثها الاقتصاد الأردني أن 25 % من فرص العمل التي استحدثها الاقتصاد الأردني كانت للنساء. هذا وما زالت معدلات البطالة عند النساء الأردنيات أعلى منها عند الرجال.
    كذلك تتركز الغالبية الساحقة من النساء العاملات في الأردن (95) % في ثلاثة قطاعات اقتصادية من أصل (13) قطاعاً اقتصادياً، وهذه القطاعات الثلاثة تتمثل في التعليم والصحة والعمل الاجتماعي، بنسبة 95 % من النساء العاملات.
  وتجدر الاشارة هنا الى ان بعض المدافعين عن حقوق المرأة هم أنفسهم من أضر بفرص المرأة في المشاركة الاقتصادية بسوق العمل، فعلى سبيل المثال اصرار تلك الجهات على توفير حضانة في المنشأة الاقتصادية التي تعمل بها نساء بنسبة 10% من حجم العمالة بها جعل اصحاب العمل يحجمون عن توظيف النساء، ومثل هذه الحالة تتكرر في مجالات اخرى.
كما ان القطاع العام وتوجهات الدولة لا تميّز على الاطلاق بين المتقدمين لشغل الوظائف على اساس النوع الاجتماعي، وان التنافس وفقا لأسس موضوعية قد رفع نسبة المرأة في هذا القطاع بشكل واضح خلال السنوات الاخيرة.
لقد اعتبر عدد من الباحثين ان الاوضاع الاقتصادية والمادية السيئة نسبياً للمرأة مقارنة بالرجل تحول دون تفعيل مشاركتها السياسية، وان عدم قدرتها على الانفاق بسخاء كما بعض الرجال يفقدها دعم ومؤازرة فئات من المجتمع؛ إن هذا الرأي يجب الا نقبله على اطلاقه، رغم انه لا يخلو من الوجاهة ايضا. 
    ففي الوقت الذي تتصف به نساء بعض المناطق بالثراء مثل رجالها؛ فإن اقبالهن على المشاركة السياسية اقل بكثير من مثيلاتهن الريفيات الاقل ثراءً، ويمكننا التحدث عن تجربة الكوتا النسائية الاولى التي كانت تعتمد على نسبة اصوات المرشحات بصرف النظر عن دوائرهن، فقد نجحت خمس نسوة من أصل ستة من خارج عمان والزرقاء، وبينهن اثنتان من نفس المحافظة (الطفيلة) لم يكنَّأكثر ثراءً من مرشحات عمان.
    كما ان هذه الذريعة بدأت تفقد بريقها وألقها في ظل التطورات التشريعية والاجتماعية والثقافية الاخيرة التي افضت الى تراجع قيمة المال مقابل العلم والفكر والمعرفة والمشاركة الفاعلة في انشطة المجتمع وقضاياه.
ثالثا: المستوى التعليمي للمرأة:
هناك بعض الطروحات القائلة بأن تدني مستوى المرأة تعليميا يعتبر عائقا امام مشاركتها السياسية، وان الرجل ذو النصيب الاكبر في التعليم؛ لذا فإنه يحظى بفرص سياسية أكبر!
   ان هذا الطرح لم يعد مقبولا إذا ما علمنا ان أكثر من نصف الجالسين على مقاعد الدرس اليوم هم من الاناث، وان أكثر من 70% من طلبة الجامعة الاردنية مثلا هم اناث ايضا، وان أكثر من 60% من الحاصلين على الدبلوم العالي في الاردن هم نساء...
     ورغم ذلك من الممكن ان نقبل بوجود فجوة في الادراك السياسي؛ وليس المستوى التعليمي في سياق البحث بقضايا النوع الاجتماعي، والدور المأمول من كلا الطرفين، وقد يرتبط ذلك بتوجهات التخطيط للمستقبل، لكن النجاح في المشاركة السياسية لا يتطلب التفرغ للسياسة على حساب النجاحات الاخرى في الحياة، فالسياسي الناجح ربما كان طبيباً او أكاديمياً او عسكرياً ناجحا في عمله وفي مجتمعه ايضا قبل السياسة، وهذا الامر ينسحب على المرأة ايضا.
يتبع....