دينا شرف الدين - مصر - " وكالة أخبار المرأة "

 وبمناسبة الإهتمام الغير مسبوق لدي مجتمعاتنا الشرقية وتحديداً مصر، باليوم العالمى لمكافحة العنف ضد المرأة والذى شاهدناه بكثافة منذ أيامٍ قليلة، أتوقف معكم أعزائي لنتأمل الصورة  قليلاً.. هل نحتاج حقاً إلي يوم عالمي يذكرنا بضرورة الإهتمام يومياً بمكافحة تلك الآفة المجتمعية القاتلة التي تستفحل و تبلغ ذروتها من القسوة في مجتمعاتنا  الشرقية العربية وبشكل خاص الإسلامية؟،نحن بحق أمام كارثة دخيلة أتت بها أفكار غريبة علينا، ثم تعمقت و ترسخت لتصبح مع مرور السنوات حق مشروع لكل رجل ضد أي امرأة  وبكل الأشكال وتحت أي مسمي من مسميات التسلط و السيطرة التي لا أساس لها و لا وجود في أي شرع و لا دين و لا إنسانية!.
فإن عدنا بالزمن إلي أصولنا و جذورنا العميقة  منذ عهد المصريين القدماء و فتحنا كتب تاريخنا  الطويل جداً  و بحثنا عن أهمية المرأة  و تقديرها و دورها  في المجتمع و تقديس الزوج و الإبن لها  سنجد أنفسنا  قد سقطنا حقاً من قمة الرقي و التحضر  و الإنسانية إلي قاع  التبجح  و التأخر  و انعدام  الرحمة و تجاهل تعاليم  الأديان، فقد كانت  الدلائل التي تركها المصريون القدماء  تؤكد كل التأكيد  على ما تمتعت به المرأة في مصر القديمة من تقدير إنساني ومكانة اجتماعية، وما حققته من نجاحات في مختلف المجالات الحياتية، حتى صارت ملكة تحكم البلاد، قد وصلت بحق إلى مكانة لم تصل لها النساء في أي موقع آخر على كوكب الأرض، فكانت أشهر الآلهة من النساء، مثل الإلهة  (إيزيس ) إلهة الأمومة في مصر القديمة والتي كانت من أهم معبودات الفراعنة وأقيمت لها عدة معابد من أشهرها معبدها في جزيرة فيله بأسوان.
وكذلك معبد (نفرتاري) ، المعروف باسم معبد أبوسمبل الصغير، والذى أقامه الملك رمسيس الثانى تكريما لزوجته الملكة نفرتارى، ومعبد الملكة (حتشبسوت ) في الأقصر،  ومعبد دندرة الذى كرس لعبادة الإلهة (حتحور) إلهة الحب والجمال والموسيقى في مصر القديمة، أما أكثر النساء تأثيرا في مصر القديمة فقد كانت الملكة (نفرتيتي)، والتي كانت صاحبة شخصية عظيمة  وفلسفة  متفردة جعلتها المرأة الأكثر تأثيرا ربما في التاريخ بأسره.
لذا فقد كان تكريم النساء يصل بالفعل إلي حد التقديس، فعلى حد قول الرحالة اليونانى"ماكس ملر"، "ليس ثمة شعب قديم أو حديث قد رفع منزلة المرأة مثل ما رفعها سكان وادي النيل". فالنقوش تصور النساء يأكلن ويشربن بين الناس ، ويقضين ما يحتجنه من المهام في الشوارع من غير رقيب عليهن ولا سلاح بأيديهن، ويمارسن الأعمال الصناعية والتجارية بكامل حريتهن.
وهذا ما أدهشه - فقد إعتادوا أن يحرموا  نسائهم السليطات من مثل هذه الحرية ، و لذلك أخذوا يسخرون من الأزواج المصريين الذين تتحكم فيهم زوجاتهم، فالمرأة هي نصف المجتمع التي إن صحت مادياً و معنوياً و تحررت من أغلالها و عوملت المعاملة التي تليق بها كما أمر الله  صلح المجتمع و استقام و اعتدلت كفتي الميزان بين نصفيه، .
و كذلك المرأة هي الأم و الزوجة التي تعد عماد الأسرة و رمانة الميزان بها ، و هي التي تجاهد بحق من أجل الحفاظ علي تلك الأسرة و بقائها و تبذل ما بوسعا و ما يفوق طاقتها  للم شملها حتي و إن كان الزوج  غير  مبالي.
غير  أن قدرة المرأة علي التحمل كبيرة جداً و عظيمة ، فما تبذله النساء من مجهودات  و ما تتحمله من أعباء لا يقل عن جهاد الجنود علي جبهات القتال في الحروب الكبري.
و قد أمر المولي عز و جل بتكريم المرأة و إنصافها و تقديرها و الرفق بها و حسن معاملتها و حذر من ظلمها و قهرها و إهمالها و زجرها دون وجه حق، فكيف لنا أعزائي أن يتعسنا الحظ بالحياة في مجتمعات ذكورية تدعي كذباً المساواة و الإعتدال و تقدير النساء و منحهن كافة حقوقهن دون ظلمهن و النيل من كرامتهن و كبريائهن ووأد عبقرياتهن و التقليل المتعمد من  شئونهن؟.
بل أن الأزمة  التي باتت تهدد المجتمع بأسره هي العبث مادياً و معنوياً  بتلك المخلوقات الرقيقة  بطرق غير آدمية  تبدأ من التحرش اللفظي و الجسدي و تنتهي بالضرب و التعذيب و ربما التشويه في بعض الأحيان !
و المذنب هنا ليس شخص محدد بعينه  كالزوج أو الأب أو الأخ أو الإبن أو المتحرش و المغتصب و إنما  هو ذنب المجتمع كله الذي أصابه الجهل و التراجع الديني و الثقافي و التعليمي  بشكلٍ غير  مسبوق ليعتنق أفكار  الجاهلية و يعود للخلف مئات السنين، فهل لنا من صحوة  نستفيق بها من غفلتنا  و نعود بها إلي مكانتنا الطبيعية التي يجب أن نكون عليها لننجو بنصف المجتمع و رمانة ميزانه من الضياع في غيابت الجُب، بالعودة لتعاليم ديننا الذي أعلي من قيمة المرأة و كرمها و أمر بالإحسان إليها و حفظ حقوقها و كرامتها و من قبله  تراثنا و تاريخنا العظيم الذي تجلت في كل عصوره المرأة المصرية في أبهي صورها.
و ما زالت الأزمة مستمرة..علي أمل قريب بانفراجة تتبدل بها أحوالنا  لما يسعدنا و يسرنا