الدكتور محمد فتحي راشد الحريري - الإمارات العربية المتحدة- خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

من المعروف في لغــة الأدب والجذور أنَّ الثنــــاء شعراً على شخصٍ مــا ، يُسمى مديحا أما الثناء على الميت فيسمى رثاء· ولكن معظم المدائح النبوية قد قيلت بعد وفاة الرسول 'صلى الله عليه وسلم'، وهي تسمى مدائح لأن الرسـول عليه أفضل الصلاة والسلام موصول الحياة يعيش اسمه وذكره بيننا كل لحظة وثبت أنه في ضريحه إذا سلمنا عليه رد علينا السلام كما جاء في الحديث الشريف، وأنّ الله تعالى يردُّ عليه روحه الزكيّــــة لذلك .·
ولقد كانت هناك مدائح للرسول الأعظم'صلى الله عليه وسلم' في حياته لشعراء فحول أمثــال كعـب ابن زهيــــر صاحب قصيدة 'بانت سعاد' وقصائد عديدة لأمثــال الصحابي الشهيد عبدالله بن رواحة ثالث الأمراء في غزوة مؤتة التي استشهد فيها والذي كان ينشد الشعر كما هو مشهور عنه في الغزوات (1):
خلوا بني الكفار عن سبيله ***خلوا فكل الخير في رسوله
وكانت هناك مدائح أيضا لأمثال كعب بن مالك وشاعــر الرســول حسان بن ثــابت الذي يقول في مدح الرسول (صلى الله عليه وسلم):
فإنَّ أبي ووالده وعِـرضي ***لعِـرض محمّـد ٍ منكم وقــاء
وحسان رثى الرسول الأعظـم (صلى الله عليه وسلم) بعد وفاته بعِـدّة قصائد منهــا واحدة مطلعـهــا:
بطيبــــة رسم ٌ للنبيِّ ومعـهــدُ ***منيرٌ وقد تعفو الرسوم وتهمد
وفي حالة شعراء مثل حسان عمد مؤرّخـــو الأدب للتفريق بين المدائح والمراثـــي لأن الشاعر قال بعضها في حياة المصطفى وبعضها بعد الوفاة، ولكن في حالـــــــة الشعراء الذين جاؤوا بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) فتعتبر قصائدهم فيه كلهــــا مدائــــح·
ولأمير الشعراء أحمد شوقي (1868 - 1932) عــدة قصائــد في مدح الرســـول (صلى الله عليه وسلم) أشهرها القصائد الثلاث التي غنتها السيدة أم كلثوم فانتشرت بين الناس على اختلاف مستوياتهم التعليمية والثقافية· وكان شوقي بهذه القصائد وأمثالهـا يتقرب إلى الله، فقد كان إسلاميَّ النزعـــة متحمِّسا للخلافــــة العثمانـيـــــة ومن المناديــن بالوحدة الإسلاميّــة :
وروائع شوقي الثلاث نراها تتجدد على مر الزمان ، ومثلها قصائد أخرى لشعراء آخرين نورد أمثلــةً ً من شعرهم الجميل في مدح الحبيب الأعظــم في هذه العجالة:
أبدع شوقي حقا في بائيته ، وخاصة حين قال :
أبــا الزهــراء قد جاوزت قدري*** بمدحكَ ، بيدَ أنَّ ليَ انتســـابــــا
يعتذر من تطاوله على المقام الشريف ويرى نفسه أقلّ من أن يسمح له نَسَبه في أن يمتدح النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم ، ثم يسوّغ لنفسه ذلك لأنّه يمتّ بنسبٍ إلى الحبيب الأعظم، ولا يزال الباحثون يتساءلون ويبحثون عن العلاقة النسبية بين شوقي  وبين مقام النبوّة المشرّف ، فأحمد شوقي ليس عربيا ، وأمه ليست عربية . هو من أصول شركسية وتركية ويونانية ولكن يبدو أن شوقي يعرف أو يعتقد أن له انتساباً إلى الهاشميين·ولعلَّ هذا الانتساب من جهة خؤولة بعيدة لأمّـه أو أبيـــه .
وفي الأبيات :
فما عرف البلاغة ذو بيــان ***  إذا لم يتخذك له كتابـــــــــا
وما للمسلمين سواك حصن *** إذا ما الضر مسهم ونابـــــا
ولو حفظوا سبيلك كان نوراً ***وكان من النحوس لهم حجابــا
أما في الهمزيّـــــة فيقول رحمه الله في مطلعهــا :
ولد الهدى فالكائنات ضيـــــاء ***وفمُ الزمان تبسّم وثنـــــــــــــــــاء
الروح والملأ الملائــك حولــه ***للديــــن والدنيــــــا بـــه بشـراء
والعرش يزهو والحظيرة تزدهي  ***والمنتهى والسدرة العصمـــــاء
وحديقة الفرقان ضاحكــة الربــــا ***بالترجمــان شذية غنّـــــــــــاء
والوحي يقطر سلسلاً من سلسل   ***في اللوح والقلم البديــع رواء
نظمت أسامي الرسل فهي صحيفة ***في اللوح واسم محمّـد طغـــراء
اسم الجلالة في بديع حروفـــــــه ألف هنالك واسم طـــــه البــــــــــاء
وليتك تسمع ما شدت به أم كلثــوم في قصيدة (سلوا قلبي) ، وفيهـــا :
سلوا قلبي غداة سلا وتابا  ***لعل على الجمال له عتابـــــــــا
ويسأل في الحوادث ذو صواب  ***فهل ترك الجمال له صوابا
وكنت إذا سألت القلب يوما  ***تولى الدمع عن قلبي الجوابا
ولي بين الضلوع دم ولحم  ***هما الواهي الذي ثكل الشبابـــا
تسرب في الدموع فقلت ولى  ***وصفق في الضلوع فقلت ثابــــا
ولو خُلقت قلـــوب من حديـــد ***لمـــا حملت كما حمل العذابــــا
وممن نظم فأبدع في هذا المقام أستاذي وسيدي الوالد المفتي الشيخ محمد راشد الحريري رحمه الله ، وأخي الشاعر د. ماجد النميري ، والشاعر البردوني اليمني رحمه الله ، والشاعر نزار قباني ، وهو ما سيكون موضوعنـــا في الحلقة القادمة ان شاء الله تعالـــى .
___________________حاشية :
(1)                       جريدة الاتحاد – الملحق الثقافي : د. شهاب غانم -8 أكتوبر 2018