الدكتور محمد فتحي راشد الحريري - الإمارات العربية المتحدة- خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

بعد نشر القسم الأول من هذا المقال كتب إلينا معاتبـــاً سماحة الشيخ جمال مكناس (من حلب)، يقول:
إنَّ حلب هي عروس الشرق في الطبــــخ ، والأكلات الحلبـيّـــــة غزت العالم كلّـه ، والمطبخ الحلبي يستحيل أن يغفله الباحثون في هذا المضمار ، بدءاً من الكبـــــاب الحلبية والـ(شيش طاووق) والكبّــــــة والتبّولة والمتبّـل والمُحَمّــــرة و و ..... . الخ ، وأنت في مقالتكم عن (حرّاق أصبعــه) شرّقت وغرّبت وتنقّلت في جميـــــــع أنحاء سورية ، ووصلت أوروبـــة وايـــــــــران ، وتناسيت حلب معقل الـ(حــرّاق أصبـعـــه) ؟!
ولم أجد بُـدّاً من الاعتذار ووعدته أن أكتب جميع الأفكــار الحلبيـــة المطبخيّـة عن هذه الأكلــة الشعبية المشهورة، ولم أكن أحسبها بهذه الأهمـيّــة ! وبادئ ذي بدْء أرفع القبّعــة تحية للمطبخ الحلبي العريق، وأهل حلب ، أهل الكرم والمودّة .
طريقة التحضيـــــــــــــر :
يقلى مفروم البصل ويُحَمّـر، ثم يسكب فوقه الماء المغلي ويوضع الخبز اليابس أو المقلي، مع الثوم والمنكّهات الحلبية ، وشيء من الحوامض والفلفل الحارّ (حسب الرغبة ) بدون نبات السلق ، وبالطبع يضاف اليها اللبن الرائب على النار أو دبس الرمان أو عصير الرمان الحامض ، (1) وتؤكل ساخنة في حلب ، وبالأيدي غالبــاً ، بدون ملاعق مما يؤدي إلى حرق الأصابع من حرارتهـــــا ، وهم يجدون لذّة في ذلك ، ولا ينتظرونها حتى تبرد ، وقد سُئل طفل حلبي عن سبب بكائه لما وضعوا  له هذه الأكلــة ؟ فقال :
أنها ساخنة تحرق أصابعي .
قالوا له : انتظرها حتى تبرد إذن .
قال : أنتم لا تنتظرونهـــا ، فلو انتظرت لطارت ولم يبقَ منها شيء .
وتمتــــاز الأكلات الحلبية بالبـهـارات الحارّة عـــادة ، ويدرك ذلك أصحـــاب الذوق العالي والرفيع من المتذوّقيــــــــــــــن .
ولا يفوتنا أن نذكّــر  ثانيةً بأنَّ مدينة حلب، أكبر مدينة في سورية تشتهر بمطبخها العريق وتفنن أهلها بصنع أطعمة لذيذة من أشهرها الكبّة والكبابة والمحاشي. كما ذكرنا قبل قليل ، ويعرف عن الحلبيين اهتمامهم بالطبـــخ والمأكولات الدسمة حتى أصبحت مدينتهم مضربـــــــــا ً للمثل ، فانـتـشر المثل الشعـبي المعـروف : " حلب أم ُّ المحاشي والكبب".
كما تمتاز الحراق أصبعته(حسب اللهجة) في حلب بأنّهـــا تُـقـدَّم حارة ساخنـة ، بل ساخنـــــــة جدا ، وتؤكل باليد وليس بالملاعق (الخواشيق) ، ومن هنــــــــا جاءت التسمية ، فالأكلـــة تحرق أصابع الآكل ، الواقع في حيرة ، بين سعـيــه لإطـفـــــاء لهيب المعـدة وسدِّ جوعته ، وبين مغالبـــــــــة  منْ يزاحمه على الطعام من زملاء المائدة وجلسائه .
وقد سُئل حلبي عن الفرق بين حراق أصبعه وبين الفتوش ؟ فقال :
مثل الفرق بين طيط ، وسبحان الله !! (2) .
وما فهمته أنَّ لهذه الأكلــــة طرائق تحضـيــــــر وطهـي أخرى في نواحـي حلب ، والمطبخ الحلبي العريق كما نعلم متأثّـــــر بالمطبخ التركي بحكم الجوار ومتأثّــــر بجميع دول المتوسط بحكم العلائق التجاؤية، بدءاً بقبرص وانتهاءً بالبندقية، هذا والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم .
--------------------------------هامش :
(1)            جاء في موسوعة حلب للأسدي الجزء 3 ص183 :
يغلى رائب اللبن ويضاف إليه الثوم ثم يصب عليه السمن الساخن أو الدهن المذاب (من ألية الغنم ) ، وقد ينوب  عن اللبن الرائب دبس الرمان الحامض، أو دبس البندورة ، وعند الغليـــــــــان يوضـع الخبـز المثرود، لذلك قد يسميه بعضهم طبيخ الخبز أو الثريد ، ويؤكل حارّاً .
(2)            المرجــــع السابق .