الدكتور محمد فتحي راشد الحريري - الإمارات العربية المتحدة- خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

كان بالأمس حفل توقيعي على كتب (جذور ) بجزأيه في معرض الشارقة للكتاب، وقريب مني كان د,محمد حبش يوقع على كتاب له أيضا ، ولما رأيته تذكرت أكلة شعبية دعانا إليها مؤخرا فأحببت أن أكتب عنها ، إنهـــا أكلــــــة "حراق أصبعـــه"
(حَـرَّاق) : في الجذور مبالغة من اسم الفاعل (حـــارق) ، من الثلاثـــي (ح ر ق) .
والحَرَقُ من حَرَق النار وتـأثـيـرهــا ..
وفي الحديث الشريف : الحَرَقُ والغَرَقُ والشَّرَقُ شهادة.
قال ابن الأَعرابي: حرَقُ النار لهَبُه، قال  : وهو قوله صلى الله عليه وسلم : (ضالَّةُ المُؤمِن حرَقُ النارِ )أي لَهَبُها؛ قال الأَزهري: أَراد أَن ضالةَ المؤمن إذا أَخذهـــــــا إنسان ليتملَّكها فإنها تؤدّيه إلى حرَق النار، والضالّــــــةُ من الحيوان: الإبل والبقر وما أشبههــا مما يُبْعِد ذهابه في الأَرض ويمتنع من السِّباع ، ليس لأَحد أَن يَعْرِض لها لأَن النبي، صلى الله عليه وسلم، أوعد مَن عرض لها ليأْخذها بالنــار، والعذاب منه عزَّ وجل  (1) .
و"حراق اصبعو" أو "حرق أصبعــــه" أو محروقةٌ أصبعه (باللهجة الشامية) هي أكلــــة شعبية مشهورة في بلاد الشام وخاصّــة في سوريا وتشتهر بهــــــــا مدينة دمشق خاصة وهي معروفة في بعض الدول العربية.
تتشارك النسوة سوية في طبخهــــــــا وفي توزيعها كسكبات على بيوتهن، و لكي يختصرن الوقت في التحضير يقمْن باستعمال المعكرونة بدلاً من العجين المُقطّــع وبالخبز المقلي بدلاً من حبّـات العجين المكور المقلية (كرات عجين صغيرة مقلية ومُحَمّـرة بالزيت).
تحضّر (الحرّاق أصبعــه) باستخدام المواد التاليـــــــة :
السلق الأخضـــر ، العدس ، العجين أو المعكرونــة ، البصل ، دبس الرمّـان ، زيت الزيتون، بهـــار أسود ، والملح ، والبعض يضيف الكوسا للزينة على الوجه ، كما  تستخدم الكزبرة المُقلّاة بزيت الزيتون مع الثوم، وقطع الخبز المقلي ، وبصــــــــل مقلي ، وحبات الرمان مع بعض المنكّهات الأخرى .
وجرت العادة مؤخّــرا أن تستخدم النسوة المعكرونة عوضــاً عن العجين والخبـز .
وسؤالنـــا  في فلك هذه الأكلـــة ، من الذي حرق أصبعه ؟ الآكل أم الطاهــــي ؟
وللإجابــة عن السؤال ، يجب أن نتذكّــر أنّ للعوام طرائقهم الخاصّــة في التسمية،
ولهم فلسفة سهلة جدا في تسمية الأكلات، تراوح بين المحافظة على الاسم إذا كانت الأكلة غير محليّة ، أو تسميتها حسب مكوناتها أو طريقة طهيها أو تناولهـا.
وهكذا سموا (الششباراك) وبعضهم أسماه (أذان الشايب) والشيش طاووق والبابا غنوج والتبوله والمُتَبّل والمنسف (المليحي) والمجدرة( الكشري) ،
وأكلتنا (حراق أصبعــه) لها عدة أسماء ، أو لمشابهاتهــــا :
العبيطة في حوران
والرشتاية بالسلق في فلسطين
الكشري المصري
الياش في ايران
والست زبقي في الشام (دمشق) ، وتلفظ (ست أزبِقي أو ازمقي) .
والكشك طناج في الريف الدمشقي .
ليبقى السؤال حول  الاسم الطريف لهذه الأكلة الشعبية قائماً ، وهو من الذي حرق أصبعه ؟وبالعودة إلى طريقة التحضـيـــر نعرف الجواب .
وبكلِّ بساطــة ، يعود اصل هذا الاسم الى سخونة الطبق المحَضّر  من الكشك طناج أو الحراق أصبعه ،  فعندما يسكب في الصحن ساخـنــــــــاً يحرق أصابــــع الطاهي بسبب سيولتـه واحتوائــه على الخبز او المعكرونــــة والخضــــار الساخنـــة جدا ، فاختاروا  له هذا الاسم في حين أسماه أهل حوران العبيطة ، بعد استبدالهم السلق بنبات الجعدة ، وقال عنه الريفيون كشك طناج بسبب احتوائه على مادة الكشك في حين أسماه الإيرانيون (ياش) . والآكل لم يحرق أصبعه أبدا لأن هذا الطبق غالبا ما يتم تناوله باردا .
--------------------------هامش:
(1)                       )ضالة المؤمن حرق النار) :حديث مروي عند الدارمي وله أصــل في الصحيح ، و المراد بذلك من لم يعرف الضالّة ، وهي اللقطة الضائعة أو الشاردة عن أصحابها من الأبل وغيرها فليس له ذلك ، إن أراد الانتفاع بها حتى لا تتضاد الأخبار. قال الطحاوى: ويدل على ذلك ما روى يحيى بن أيوب قال: حدثنى عمرو بن الحارث، أن بكر بن سوادة، حدثه عن أبى سالم الجيشانى، عن زيد بن خالد الجهنى قال: قال رسول الله: (من أوى الضالة فهو ضال ما لم يعرفها) . وروى شعبة عن خالد الحذاء، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن أبى مسلم، عن الجارود قال: (أتينا على رسول الله ونحن على إبل عجاف فقلنا: يا رسول الله، إنا نمر بالجدف فنجد إبلا فنركبها؟ فقال: ضالة المسلم حرق النار) فكان سؤالهم عن أخذها إنما هو لأن يركبوها، فأجابهم عليه السلام بأن قال: (ضالة المسلم حرق النار) ، أى: ضالة المسلم حكمها أن تحفظ على صاحبها حتى تؤدى إليه، لا لأن ينتفع بها لركوب ولا غيره ، فإن فعل فهو ضامن فضلا عن استحقاقه عذاب الله .