يمينة حمدي - " وكالة أخبار المرأة "

المرأة اللبنانية تحقق يوميا نجاحات في عالم الأعمال والتجارة وفي المجالات العلمية والفنية والأكاديمية، وتتولى مناصب عليا في المؤسسات، لكن عائقا مهمّا مازال يمنعها من التقدم، ألا وهو عدم منحها دورا أكبر في صناعة القرار.
تعطي وسائل الإعلام والدراما التلفزيونية انطباعا عاما بأن المرأة اللبنانية تحررت من حواجز المجتمع الذكوري، وتخطت الكثير من المحظورات الاجتماعية، وأصبحت تتخذ قراراتها بنفسها، وتعيش وفق إرادتها الحرة، لا سيما بالمقارنة مع مجتمعات عربية أخرى، مازالت فيها المرأة تحتاج إلى تصريح من وليّ أمرها للسفر والزواج، ولا يمكنها العمل أو الحصول على رعاية صحية إلا بموافقته.
ويوحي الانفتاح الاجتماعي النسبي الذي يتمتع به لبنان بأن المرأة تعيش في وضع مثالي وتتمتع بحقوقها أسوة بالرجل، إلا أن هناك واقعا آخر لا تبرزه وسائل الإعلام والدراما، ولا يتحدث عنه الساسة.
وما يجعل التحرر الاجتماعي يفقد الكثير من أهميته، أنه لا يعكس حال المرأة اللبنانية في مجال الحقوق ولا وضعها القانوني بشكل عام، والمرتبط إلى حد كبير بنظم طائفية ذكورية.
فعلى الرغم من بروز العديد من النماذج لنساء شهيرات وناجحات في مجالات مختلفة، إلا أن ما لم يتحقق بعد بالنسبة للمرأة اللبنانية مازال كبيرا، في ظل استمرار الصراع بين التيارات الدينية والطائفية على اقتسام السلطة، ودون إفساح المجال للمرأة للمشاركة في عملية صناعة القرار ببلادها.
وتبدو المفارقة كبيرة حين ينص الدستور على إلغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة في الحقوق المدنية والسياسية منذ خمسينات القرن الماضي، في حين لا تزال مشاركة المرأة اللبنانية في الحياة السياسية ضعيفة جدا، إذ وفق الدراسة التي أجراها المنتدى الاقتصادي العالمي في عام 2016، يحلّ لبنان في المرتبة الـ143 من بين 144 دولة في العالم في نسبة تمثيل النساء بالبرلمان.
وأمام الحسابات الطائفية والدينية والثقافة الذكورية السائدة، لم تستطع المرأة اللبنانية اختراق أسوار مجلس النواب سوى بـ6 نائبات من أصل 128 نائبا.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، أليست المرأة اللبنانية في حاجة إلى تغيير اجتماعي حقيقي وبيئة تستطيع فيها أن تعبر عن نفسها، وتشعر فيها بقيمة مساهماتها في مستقبل بلادها؟ ألن يكون هذا أساسا عظيما لزيادة مستوى التنوع في لبنان؟ أليس هذا ما يعنيه التحرر أيضا؟
صورة مظللة
يكون التحرر الاجتماعي عادة مؤشرا على سقف الحريات في أي بلد، ويمكن أن يمثل أيضا حافزا على بروز نماذج لنساء في مواقع صناعة القرار، لكن يبدو الوضع مختلفا نسبيا بالنسبة للمرأة اللبنانية.
وحسب ما يرى الكاتب السياسي محمد قواص، فالجانب النجومي التحرري الذي تبدو فيه المرأة اللبنانية مختلفة عن نساء العرب، لا يمثل سوى حقيقة مبتورة ولا يعكس النسبة الكبرى من نساء لبنان يعشن ظروفا لا تختلف كثيرا عن ظروف المرأة العربية على نحو يناقض الصورة الزاهية التي رسمها العرب عن المرأة اللبنانية.
وقال قواص “المرأة اللبنانية تحاول أن تجد مكانا لها في مملكة تهيمن عليها ذكورية مفرطة، كما أن حصتها في سوق العمل دون حصة الرجل في الكمّ والنوع ونسب الأجور، ناهيك عن أن التشريعات اللبنانية، وعلى عكس ما تُظهره الصورة النمطية، تُعتبر متخلفة بشأن حقوق المرأة إذا ما قورنت بالقوانين الناظمة لحقوق المرأة والعائلة في البلدان العربية”.
وأضاف “طبعا يستغل سوق الجمال والأناقة صورة المرأة اللبنانية باعتبارها نموذجا يحتذى به، لكن هذه المرأة مازالت لا تستطيع أن تمنح جنسيتها لأطفالها إذا ما تزوجت من رجل أجنبي، كما أنها لا تحظى بما يحظى به الرجل من امتيازات في عقود الزواج والطلاق والميراث. ولا ريب أن بلدا كتونس مثلا قد حقق تقدما لافتا في تأمين حقوق المرأة وتوفير مكانة لها داخل المجتمع رغم أن تلك الحقوق لم ترق بعد إلى ما تحقق في بلدان غربية”.
وتابع “فيما يحاول ساسة البلد التظاهر برفع شأن المرأة في المجال العام، لا سيما داخل المؤسسات السياسية في البلاد، فإن نسبة حضور المرأة داخل مجلس النواب اللبناني كما داخل الحكومات اللبنانية مازالت ضئيلة تأخذ أشكالا رمزية في بعض الأحيان”.
وشدد على أن المرأة اللبنانية تحاول مقاومة الفكر المجتمعي التقليدي المحافظ، وتعمل ما بوسعها من أجل التصدي لمنظومات أصولية دينية تصاعدت في العقود الأخيرة، مثنيا على قدرتها العالية في اقتحام مجالات واسعة ومتعددة الاختصاصا
وختم قواص بقوله “أعتقد أن المرأة اللبنانية تملك تراكما عتيقا يجعل من الواجهات التي تتميز بها حصونا لحماية ورش مضنية لاختراق المحرمات، ليس فقط داخل المحظورات اللبنانية ومعوقات قوانين البلد، بل في مواجهة موجات من الضغوط الواردة من الخارج، والتي حملت خلال العقود الأخيرة أفكارا وأنماطا منغلقة كان بإمكانها الإطاحة بالنموذج اللبناني عامة ونموذج المرأة في لبنان خاصة”.
ولكن على مدار تاريخ لبنان، لم يثبت أن المرأة قد استسلمت، فاللبنانيات مازلن يمثلن مصدر إلهام لبنات جنسهن، وهن عازمات رغم جميع العوائق على تطبيق مقولة “النساء والرجال يصنعون مستقبل لبنان”.
ووصفت الإعلامية والأديبة ميشلين حبيب المرأة اللبنانية بـ”النحلة التي لا تهدأ والنملة والتي لا تكلّ”، مشيرة إلى أن المرأة تحتل حاليا مراكز مهنية مرموقة في لبنان، ولا تعوزها الثقة ولا المؤهلات لإحداث تغيير في مجتمعها.
وقالت حبيب إن “الصورة التحرريّة للمرأة اللبنانية نابعة من الاستقلالية التي تعكسها وتترجمها في محيطها وأعمالها، لكن هذه الاستقلالية تبقى مقيّدة بتقاليد وأعراف وقوانين مجحفة بحقها، ممّا يجعلها تناضل أكثر وتتعامل مع ضغوط أكبر، وعندما تعبّر عن نفسها بصراحة وحريّة تُتّهم بالتحرّر المطلق غير المضبوط”.
وأضافت “ليست المرأة اللبنانية متحرّرة بتلك الطريقة السخيفة المبتذلة التي يصوّرها بها الإعلام والأعمال الدراميّة وخاصة في الآونة الأخيرة. كما أن الدراما تصوّرها إما بصورة الضحية وإما بصورة الشريرة، وهذا بعيد عن الواقع حتى ولو كان فيه شيء من الحقيقة لكنه لا ينطبق على مجتمع بأكمله”.
 وأوضحت “هناك إعلاميات لبنانيات وممثلات وفنّانات على مستوى عال من الوعي والثقافة والاحتراف المهني المحترم، لكن المطلوب اليوم والذي يُسلّط عليه الضوء أكثر هو الأمور المتدنية المستوى”.
وتابعت “المرأة اللبنانية بشكل عام امرأة مثقّفة ومتعلّمة، ومحافظة وفي الوقت نفسه متحرّرة، وهي أيضا امرأة مناضلة، لكنها تناضل وحدها لأن القانون لا يُنصفها، ولا يحمي حقوقها، بل يطلب الامتثال له، رغم أنه لا ينصفها ولا يمنحها حقوقها. ولذلك من الضروري جدّا إعادة تحديث القوانين القديمة أو تعويضها بقوانين جديدة تتناسب مع حاضر المرأة اليوم، والأهم من هذا كله أن تحفظ هذه القوانين حقوق المرأة الشخصية والمدنية”.
واعتبرت أن النساء اللبنانيات يتمتعن بكفاءة عالية وحققن نجاحات مهمة في جميع الميادين، إلا أن المجتمع الذكوري صادر حقهن السياسي خوفا من المرأة القويّة التي ستقرّر مصيره.
وشددت حبيب على أن الدستور اللبناني واضح في هذا الشأن السياسي، فهو يمنح المرأة كما الرجل الحق في الانخراط في المجال السياسيّ، لكنّ المجتمع الذكوري وتقاليده ينكران على المرأة هذا الحقّ، وجراء ذلك بقي الحقل السياسي مغلقا في وجهها مما اضطّرها للمطالبة بنظام الكوتا النسائية، وحتى لمّا دخلت المعترك السياسي ظل وجودها خجولا، ولم يرتكز على الأحقية والكفاءة والجدارة، وإنما على الإقطاعية والموروثات السياسية والعائلية والحزبية والتسويات.
وقالت حبيب في خاتمة تصريحها إن هذا هو الواقع الخفي وجوانبه المختلفة التي لم يُسلَّط عليها الضوء في الإعلام والدراما كما يجب.
انتزاع الحقوق
فيما ترى الروائية والأستاذة الجامعية بارعة الأحمر أن واقع حقوق المرأة في لبنان بسيط ومعقد في الوقت نفسه، عازية ذلك إلى طبيعة المجتمع اللبناني المتكون من مجموعة مجتمعات متآلفة وغير منسجمة.
وأشارت إلى أن الدين في لبنان يمثل مرجعا أساسيا لأي حقوق إنسانية، وخصوصا الحقوق الشخصية للبنانيين.
واعتبرت الأحمر أن المرأة اللبنانية تتميز عن النساء في بقية الدول العربية بأمر أساسي، كونها استطاعت أن تنتزع حقوقها من دون أن تنتظر سن التشريعات، كما مارست جميع حقوقها بشكل تلقائي، ولم تتوقف أيضا عن المطالبة بتعديل القوانين لصالحها.
وشددت على أن القانون اللبناني مازال يميز بين الجنسين في الحقوق والواجبات، فرغم مصادقة بلادها على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، إلا أنها لم تطبق هذه المعاهدة بشكل يحقق المساواة الفعلية بين المرأة والرجل.
وقالت الأحمر إن “تعدد الأديان في لبنان سبب أساسي لهامش الحرية الذي أتاح للمرأة اللبنانية ممارسة حقوقها الشخصية والمطالبة بحقوقها المدنية، وخاصة لانعدام التنصيص على دين محدد للدولة، لا إسلامي ولا مسيحي”.
وأكدت أن التعدد الديني في لبنان يحمل الكثير من الإيجابيات حتى وإن كان لا يخلو من السلبيات، إذ على حد تعبيرها، حال دون تحكم القوانين الدينية سواء المسيحية أو الإسلامية في حياة المرأة اللبنانية.
أما في ما يتعلق بالصورة التحررية السائدة عن المرأة اللبنانية في وسائل الإعلام والدراما التلفزيونية، فترى الأحمر أن فيها نوعا من المبالغة، لكنها تتشابه في بعض جوانبها مع المرأة اللبنانية التي تمارس حقوقها بكل شجاعة على أرض الواقع، لكن وراء كل نجاح تحققه هناك ثمن باهظ تدفعه.
وقالت “استطاعت المرأة اللبنانية بشكل عام أن تتجاوز بشق الأنفس الصعوبات في مجتمعها غير المتجانس، لكن هذا لا ينفي وجود تفاوت بين امرأة وأخرى، ومرد ذلك الاختلاف الديني والطبقي”.
واستذكرت الأحمر نصيحة ذهبية قالها لها الصحافي الراحل غساني تويني أثناء عملها في جريدة النهار وهي ألّا “تنتظر الحصول على حريتها بل عليها أن تنتزعها وتمارسها”، وهكذا هو حال المرأة اللبنانية، مارست حقوقها ولم تنتظر المشرع.
وشددت الأحمر في خاتمة حديثها على أن المرأة اللبنانية قد تمكنت من فرض وجودها في الشق الاجتماعي، لكن حضورها السياسي مازال دون المأمول، بسبب طبيعة النظام اللبناني التي تقوم على المناصفة الطائفية في المناصب السياسية بين المسلمين والمسيحيين، إلا أنها يحدوها أمل كبير بأن لا شيء سيوقف طموح اللبنانيات ويكسر إرادتهن القوية ويحول دون تقدمهن نحو الصفوف الأمامية، وخاصة في ظل وجود “رجال مستنيرين” يناصرون قضايا المرأة.
ويبقى الحلم الأكبر بالنسبة للنساء اللبنانيات اللواتي استطلعت “العرب” آراءهن هو أن يكون بلدهن علمانيا لا طائفيا، لكن طموحات القادة السياسيين ورجال الدين لا تتشابه في معظمها مع أحلامهن.