تركي الغنامي - السعودية - " وكالة أخبار المرأة "

المرأة منتج جمالي تغنَّى به الشعراء وتفننوا في وصفه، بل خطوا خطواتهم الأولى في حرمه وحماه، فأول ميدان يختبِر فيه الشاعر فنونه الشعرية المرأة، فلا تكاد تجد شاعرًا مجيدًا إلا كان "الغزل" بوابته التي ولج إلى عوالم الإبداع منها.
فالمرأة حاضرة في الشعر حضورًا بهيًّا، فأجمل ما يصفه الشعراء المرأة، وأول ما تتفتح عليه قدرات الشاعر شعر الغزل، بل إن المرأة لا تكاد تغيب عن غرضٍ شعري، فهي حاضرة حتى في أعنف أغراض الشعر وأشدها وعورة وأبعدها عن "العواطف الناعمة"، ففي شعر المعارك الذي تتخالف بين أشطره الرماح، وتسيل على قوافيه الدماء، لم تغب المرأة، فهي ذلك المخلوق الجميل الذي ينساب إلى هذا المشهد ليضيف إليه جرعة جمال وعاطفة عجيبة، تقلب الصورة رأسًا على عقب، فهي النعومة التي ترفع منسوب الشراسة، وهي الجمال الذي يضاعف من بشاعة المعركة.
انظروا معي إلى قول عمرو بن كلثوم بعد أن أفاض في ذكر بسالة قومه وشجاعتهم في المعركة كيف جعل من جمال المرأة ووجودها وقودًا يرفع به سقف الشجاعة إلى أقصى غاية:
على آثارنا بيضٌ حسانٌ
نحاذر أن تقَسَّم أو تهونا
يقُتْنَ جيادنا ويقُلنَ لستم
بعولتنا إذا لم تمنعونا
إذا لم نحمهنَّ فلا بقينا
لشيءٍ بعدهنَّ ولا حيينا
ومثله في متأخرة العرب قول شليويح العطاوي:
نطعن لعين اللي تهل دموعها
تبكي وقي تال البكا نخاوي
تقول يا الظفران من عاداتكم
هوشوا عسى يبقي لنا شلاوي
يا نعننبوا من صد عن محرافها
يوم انكشاف الستر عن مضاوي
وقريبا منهما قول ناصر ابن قرملة:
ما شيل فوق الزمل من قشنا طاح
ولا غبنِّي كود صيحة رداحي
اليا انثنيت مناطحٍ شلف ورماح
واليا انهزمت مغيزل العين صاحي
ويوم انكسر رمحي تجندت أبو لاح
رديت للهندي شريدة سلاحي
والخلاصة أن المرأة كائن جميل في ذاته لم يدع الشعراء من جمال الحياة شيئًا إلا ربطوه به، فأعطوا المرأة جيد الظبي، وعين الصقر، وحمرة الورد، ولون البرد، وصفاء البدر... وتفننوا بعد ذلك فجعلوا هذا الجمال مولدا كبيرا للطاقة وظفوه حتى للضرب والطعن والقتل.
المرأة كتلة جمال تستوجب من الشعراء المدح ثم المدح ثم المدح، وذروة هذا المدح وسنامه شعر الغزل، أما شعر استعراض البطولات الذي يتحدث فيه الشاعر عن قدرته على كسب المعارك الدائرة بينه وبين محبوبته فليس هذا غزلًا، وليس داخلًا في تصنيف أغراض الشعر، ولا مشيرًا إلى أن قائله يتذوق الجمال أصلًا.