د.فوزي عوض عوض - فلسطين - " وكالة أخبار المرأة "

الفلسطينيات يفرضن وجودهن على جميع الأصعدة، السياسية منها والاقتصادية والاجتماعية، ففي نهاية شهر أكتوبر، وقبل اثنين وستين عاماً، نفذت قوات الاحتلال الصهيوني مذبحة ضد أهلنا في قرية كفر قاسم، الواقعة في فلسطين المحتلة عام 48، على امتداد فضاء طولكرم من جهة الجنوب، تحديداً بتاريخ 29-أكتوبر من عام 1956م، عشية العدوان الثلاثي على مصر وفلسطين، إذ قام جنود الاحتلال بتجميع العمال والعاملات من سكان القرية العائدين من مزارعهم وأماكن عملهم في الخامسة من مساء ذلك اليوم، وقاموا بإعدامهم بدم بارد، فكانت النتيجة 49 شهيداً، غالبيتهم من النساء الفلسطينيات العاملات.
دعوتنا إلى إحياء ذكرى هذه المجزرة فرصة لإلقاء الضوء على قصة كفاح المرأة الفلسطينية التي أسهمت في صناعة التاريخ الفلسطيني عبر مراحله المختلفة؛ هذه القصة التي يعود أصلها وتاريخها إلى نضال المرأة وتحدياتها على امتداد سنوات الثورة التي لم تنته بعد. فمن أجل إلغاء وعد بلفور 1917 م خرجت آلاف النساء للاحتجاج في شوارع المدن الفلسطينية، ورغم أن حكومة الانتداب البريطاني تدخلت بطريقة وحشية لتفريق المتظاهرات، إلا أن المسيرة نجحت في الدعوة إلى إشعال المظاهرات والاحتجاجات، وصولاً إلى المؤتمرات الوطنية، حيث دعت النساء الفلسطينيات إلى عقد أول مؤتمر نسائي في مدينة يافا عام 1929 م، حيث طالبن بالعمل على الحفاظ على المقدسات الإسلامية.
بهذا تكون المرأة الفلسطينية نموذجا للكفاح المسلح، شكلت فيه عنصراً أساسياً في الثورة الفلسطينية، ووقفت إلى جانب الرجل في تحمل المسؤولية تجاه الثورة؛ وبالتالي كانت سنداً قوياً للزوج الأخ والابن والأهل الذين حملوا السلاح ضد الاحتلال؛ وقد أبلت بلاء منقطع النظير أظهرت من خلاله أنها النفس الثاني للثورة.
ولعبت المرأة الفلسطينية دورها من خلال مشاركتها الفعالة في الثورة، سواء في الأرياف أو المدن على حد سواء؛ فالمرأة الريفية استطاعت أن تكون عنصراً فعالاً في كسر الحصار الذي حاول الجيش الاستعماري ضربه على المقاتلين إبان ثورة 1936م في الجبال والقرى، فكانت مساهمتها قوية في تقديم الخدمات الكبيرة التي كانت الثورة في أمس الحاجة إليها، دون أن ننسى المرأة في المدينة، إذ قامت هي الأخرى بواجبها الوطني وكانت السند القوي للثوار.
وكانت للمرأة مسؤوليات كثيرة أثناء حرب 1948 م أعطيت لها من خلال نضالها في الحفاظ على الهوية الفلسطينية. وبعد نكسة عام 1967 م تضاعف دور المرأة الفلسطينية وأصبحت مطالبة بالكثير من المهام، فانخرطت في جيش التحرير وفي التنظيمات الفلسطينية، ووصلت في بعض الحركات الوطنية إلى مركز صناعة القرار الفلسطيني.
وهكذا كانت المرأة في الريف والمدينة على السواء مناضلة وفدائية، لتتنوع بذلك مهامها، وهو ما جعل العدو الإسرائيلي يدرك قيمتها داخل الثورة وفي المجتمع الفلسطيني، فكانت عرضة للعديد من أنواع القمع والتعذيب، إذ سقطت العديد من النساء الفلسطينيات شهيدات، أمثال الشهيدة جدع من حيفا، التي سقطت قبل العام 1948 م وهي تدافع عن مدينتها، والشهيدة دلال المغربي، بطلة عملية كمال عدوان على الساحل الفلسطيني، والقائدة الميدانية لفرقة دير ياسين الاستشهادية، والشهيدة شادية أبو غزالة، والشهيدة المقاتلة لينا النابلسي، والبطلة الشهيدة التي تصدت للدبابات الإسرائيلية فتحية الحورانى، والشهيدة ووفاء إدريس، بطلة عملية القدس الاستشهادية، والشهيدة عندليب قطاطقة، شهيدة الإصرار للثأر للطفلة الشهيدة إيمان حجو ولشهداء مجزرة جنين، وأمثالهن كثيرات؛ لتتغلب المرأة الفلسطينية على عنجهية الاستعمار في جميع المواقف، ما جعل الإسرائيليين يعترفون بقوة تلك المرأة التي أبرزت مكانتها وتغلبت عليهم بشجاعتها.
وهكذا صنعت المرأة الفلسطينية منذ الاحتلال بطولات وتاريخا نقش من ذهب على جدران التاريخ، بفضل مثابرتها ووقوفها إلى جانب الرجل في جميع المجالات، وشجاعتها التي قهرت الأعداء؛ فالمتتبع لنضالات المرأة الفلسطينية عبر العصور، ولملاحمها البطولية على مر تاريخ بلادنا، لا يسعه إلا أن يجزم بأن هذه المرأة تستحق مكانة جديرة بهذه النضالات والتضحيات، وهي التي عانت الويلات والمحن التي لم تعانيها امرأة في هذا العالم المعاصر.
ومهما أسهبنا في ذكر مناقب المرأة الفلسطينية وفضائلها، فلن نفيها حقها من التنويه والإشادة، وستظل الأمة بأسرها مدينة لها بالعرفان والامتنان لدورها الرائد والفريد ومساهماتها القيمة في المحافظة على تماسك المجتمع من كل الهزات والاختلالات التي عرفها ماضياً وحاضراً؛ فيكفيها فخراً أنها كانت بمثابة الحصن الحصين الذي تحطمت عليه كل مخططات الاحتلال ومحاولاته الرامية إلى طمس الشخصية الوطنية، ويكفيها فخرا وقوفها بالأمس القريب واليوم جنباً إلى جنب مع أخيها الرجل، تشارك وتساهم في بناء وتشييد صرح الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف؛ فالمرأة الفلسطينية في أدبيات الثورة الفلسطينية هي كما وصفها الشهيد القائد ياسر عرفات "حارسة مسيرتنا وحارسة الثورة".