محسن المحمودي - " وكالة أخبار المرأة "

(1)
"كنتُ أشرب الخمر، ولا زلتُ أشرب الخمر، وسأشرب الخمر ما حييت"! بهذه الكلمات صارحَ الرجلُ الأربعينيُّ المرأةَ الثلاثينيةَ عندما تقدَّم لخطبتها، وعلى الرغم من وضوحه هذا؛ فإنَّ تلك المرأة قَبِلَتْ به وكأنها لم تسمع منه شيئًا.
هذه قصة واحدة من مئات القصص اليوم، وقد لا تكون صورة غالبة؛ لكن: وبالرغم من أننا نتفق أن ترخيص النفس بهذه الصورة، وإلغاء كل المعايير القيمية من أجل زواج العانس بمن هَبَّ ودَبَّ، حتى يدفعها إلى الاقتران بسِكِّير مُجاهرٍ مُصِرِّ على إدمانه؛ خطأٌ واضحٌ لا شكَّ فيه، بالرغم من كل ذلك؛ فهذا الشغف العجيب في مثل هذه القصص، وهذه القدرة الهائلة على تحمُّل مثل هذه التنازلات الشديدة؛ تُبيِّن مقدار الشوق الكبير إلى الزواج من قِبَل كثيرٍ من العوانس، وأن معظم مُداراتهنَّ لذلك في المجالس؛ إنما هو من قبيل مجاراة التيار وعدم السباحة عكس الأمواج لا غير، وليس خيارًا شخصيًّا مستقلًّا عادةً، وليس ذلك إلا: سُلطة الأقران.
وضربي لمثال الزواج من سِكِّيرٍ مع أن الموضوع هنا لا يتحدث أصالةً عن ذلك؛ إنما هو من قبيل بيان أن الزواج بمتزوجٍ أيسر عليها من كل ذلك، فكم من عانسٍ تُفضّل أن تكون زوجةً ثانيةً على الاستمرار في نار العنوسة، وفي الحين الذي تراه غيرها جحيمًا لا يُطاق؛ تراه هي باب الخَلاص، وأذواق الناس كثيرة، وأكثر من أن تُحمَل على شفيرٍ واحدٍ، ولا شيءَ أقبحُ من أن يُفرض الذوق الشخصي فرضَ القانون العام.
(2)
جنايات مجتمع النساء على فئة العوانس كثيرة ومتنوعة، قد تمتد من مجرد النظرات المشبوهة حتى تصل إلى مطلق المعاملة الدونية والاستهزاء العلني؛ لكن من أعظم هذه الجنايات: تلك التي تكون على مَن أرادتْ أن تعفّ نفسها بزواجٍ على ضَرَّة، بغض النظر عن السبب الذي قادها إلى ذلك؛ فصناعة بيئة رافضة للزواج بزوجٍ متزوج، أو ماقتةٍ له بالكلية، أو تقديس صنم البِكْرية؛ ليس إلا من جرائر الحداثة الدخيلة التي ترفع من مكانة العشيقة وتجعل منها "مِرَاح أحوال"، وتُشَيْطن صورة الضرّة وتجعل منها "خَطَّافة رجال"؛ خِدْمةً لمبادئها التي تدعو لها.
وتحقير الزواج من متزوجٍ لمن لا يصلح لها إلا هذه الحال، والاجتهاد في تعييبه، ووضع المرأة العانس مع زواجها منه موضعَ مُصارعٍ مع كرامته؛ كَيْدٌ نسويٌّ قبيحٌ، فالخيار الأمثل ليس بالضرورة أن يكون دائمًا هو الخيار الصحيح.
الخيار الصحيح: هو الخيار الذي يكون مثاليًّا بصورة إضافية إلى الظروف المتاحة، وليس في إمكان هذه المسكينة أحسن مما كان، وإلجام تَوْق المرأة للعفة بحُجَّة الحياء؛ لا يزيد الحال إلا فظاعة، ويؤزِّم الوضع بدلًا من أن يُلطِّفه، فالماء منصرفٌ لا محالة، فإما أن تصرفه في مجراه؛ وإلَّا: فاض عليك من غير مجراه.
وفهم الكلام السابق على أنه دعوةٌ إلى أن تفتتح المرأة "إذاعةً رسميةً" تُعلن فيها رغباتها؛ فهمٌ أعجميٌّ غريبٌ، كل ما في الأمر أنه إنْ لم تستطع إحداهُنَّ البوح بمثل هذه الرغبات لمن له من أمرها ما له؛ فمن ذا الذي له الحق -إذن- في استئمان مثل ذلك من جُملة الناس؟!
(3)
تصريف ما جُبِل عليه الإنسان في إطاره المشروع دينًا وعُرفًا؛ قيمةٌ حسنةٌ، بل مطلوبة أحيانًا، تستحق مِنَّا أن نُكْبِر من أجله قلب كل امرأة تسعى إليه سَعْيَه المستقيم، لا أن نَصِفها بانعدام الكرامة، قيمةٌ تُشاد بها كل عفيفةٍ كانتْ إرادتُها للخير صارفةً لها عمَّا تتنطَّع به الشانئات.
ولا نستحي أن نقول: إنَّ الاحتياجات النفسية والعاطفية والبدنية -للإنسان عمومًا والمرأة خصوصًا- تجاه الزواج؛ احتياجاتٌ أساسيةٌ، لا يجب على الإنسان مداراتها، أو الخجل منها، أو التنكر لها، ما دام يُلجمها بلجام الشرع وحده، وغالبًا جدًّا: لا وجود لسبيل لتلبيتها غير سبيل الزواج، حتى لو اتفقنا أنه قد لا يكون حلًّا جذريًّا دائمًا؛ إلَّا أنه يبقى عاملًا حاسمًا في أكثر الحالات.
الاتجاه الذي تجري فيه أمواج "الفيمينست" التي تزهِّد من مثل هذه الاحتياجات، وتنتهج أسلوبًا مصادمًا للواقع قبل أن يكون مصادمًا للشرع؛ معاكسٌ لحقيقة الحال، ويدل على ضعفٍ في التصوّر الموضوعي لطبيعتها، وللأسف؛ قد تجد في النساء من تركن إلى مثل ذلك؛ ولا أدري كيف ترضى امرأةٌ أن يَبُتَّ في أمرها أمثالهن، كيف وإن يظهرْنَ عليهنَّ لا يرقبْنَ في مؤمنةٍ إلًّا ولا ذمة؟!
ولو خرج ذلك التنديد من الضَّرَّة نفسها؛ لكان الخطب أيسر، ولتساهَلْنا في أمره لأجل شيوع الغيرة، لكنك لا تستطيع التساهل في أمرِ مَنْ لا علاقة لها بشؤون الناس، كيف وإن كان أصحاب الشأن راضين أصلًا؟!
مَنْ كانتْ لا تتصور من نفسها أن تروم تلك الحال؛ لا بأس، هذا حقُّها، ورأيها الذي لا يُبغى عليها فيه لمجرد ذلك؛ لكنه لا يُبيح لها أن تُنغِّص على غيرها عيشتها، أو تؤسِّس "قوانين شرفية" تُضمِّنها الحياةَ؛ تحاسب النساء على أساسها، وتضيِّق بها على من يُناسبها ذلك الحل، وتصفها بالاقتيات على الجِيَف؛ لأن الأمر يبقى حقَّها: الشرعي، والنفسي، والبدني، والاجتماعي.
ولو رجعتَ إلى أقرب جهة إفتائية أو استشارية نفسية، وقرأتَ الاستفسارات في هذا الباب؛ لَغُصَّ حَلْقُك بالكَمِّ الكبير من الهموم التي تتجشَّمُها العوانس اللائي لم يَعُدْ ينفع معهُنَّ إلا هذا المخرج، الأمر الذي يُخالف الادعاءات الكاذبة بأنما هو "تهويلات إسلامية" ناتجةٌ عن هَوَسٍ زائفٍ بالزواج.
وليس لنا أن ننكر أنه من واجب الإنسان أن يتخلَّص من قبضة أقوال الناس، وأن لا يأبه لغير خطاب الشرع فيه؛ لكنّ ذلك لا يزيح مسؤولية تلك الأفعال عمَّن يقوم بها، ولو نتج عن مثل هذا: بثُّ الحزن في قلب المؤمنة فقط؛ لكفى وأوفى، ولكان صاحبه ممَّن يُخشى عليه أن يكون ممَّن قيل فيهم "والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانًا وإثمًا مبينًا"؛ فكيف لو قُدِّر أن يُشارك ذلك في الصَّدِّ عمّا أحلَّ الله، أو يُسهم في خراب البيوت؟!