فرح مصطفى - " وكالة أخبار المرأة "

من المثير للتعجب، أن الناس يتجرؤون على الله أكثر من التجرؤ على بعضهم البعض، ثم يدّعون الصفاء والإيمان وقوة القرب من الله عز وجل! ألأنهم لا يرون الله، يظنون أنهم قادرين على النفاق عليه كما ينافقون على البشر؟! يظنون أنهم قادرين على نقل كلام الله بالصورة التي تحلو لهم دون أن يعلم الله عز وجل بذلك؟ ربّما لم يصل منا أحد بعد، إلى درجة الإحسان في العبادة، والتي تعني: "اعبد الله كأنك تراه.. فإذا لم تراه فإنه يراك".
وكوننا لا نخاف إلا ممن نرى، فإن خوفنا من الناس أشد بكثير من خشيتنا من الله عز وجل.. فنحن إن ارتكبنا خطيئة، لا نخشى عقاب الله بقدر ما نخشى أن يعرف الناس بها، نخشى نظراتهم وكلامهم، ولا نخشى عقاب الله وغضبه.. نخاف من نقل كلام الناس بصورة أخرى، ولا نخاف من تفسير كلام الله كما يحلو لنا.. وأنا في مقالي هذا، وبعد ما رأيت من رجالنا الذين يُحلّون ضربهم لأزواجهم ونسائهم، فإنني سأتحدث عما ذكره الله عز وجل في سورة النساء.. وقبل أن تقرأوا مقالي هذا، فإن هذا المقال لمن يتفكرون، لأولي الألباب، ليس للجهلة.. أكرر، ليس للجهلة.
لِمن يبحث عن طريقة، ليكمل بها رجولته الناقصة، فيلجأ إلى قوله تعالى في سورة النساء ويقول: "وَاضْرِبُوهُنَّ"؛ ففي البداية، قد أوضح الرسول صلى الله عليه والسلام ماهيّة الضرب التي قال عنها عز وجل في كتابه الكريم، ألا وهي: الضرب غير المبرح.. كما أنه قد نهى – صلى الله عليه وسلم -، عن الضرب على الوجه، والضرب المبرح لما فيه من إهانة وإذلال للمرأة ما يجعلها تكرهك طوال حياتها.. فإن ديننا ليس دين العنف والضرب، والكره والإذلال والمهانة! وحاشى لله أن يأمر بإهانة الناس واستعبادهم وإذلالهم.
ثم إنّك حين تكسِر يد زوجتك، أو تشوّه وجهها، ثم تقول بمليء فاك أن الله عز وجل قد أمر بالضّرب في سورة النساء، فإنك، حينئذٍ، تنقل عن الله كلاماً وتفسّره بغير علم، أي أنك تروي عن الله كذبا! وقد كانوا العلماء يخشون تفسير كلام الله خوفاً من وقوعهم في الخطأ في تفسيره! فتأتِ أنت الذي لا تحفظ من القرآن إلا تلك الآية، وتفسّرها كما يريد عقلك الجاهل؟ فإن تفسير كلام الله عز وجل بغير علم إثم عظيم، وقد وضّح الله عِظَم إثم الكذِب على الله موجهاً كلامه إلى من يزكّون أنفسهم، ويفترون على الله كذباً فقال: "انظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۖ وَكَفَىٰ بِهِ إِثْمًا مُّبِينًا". وبالعودة إلى سورة النساء، وفي جانب علاقة الزوج بزوجته على وجه الخصوص، فقبل أن يقول عز وجل "وَاضْرِبُوهُنّ"، فإنه قد قال: "وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ ".. وبعد "وَاضْرِبُوهُنّ"، قال عز وجل: "فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا".
 أما عن آية الضرب، فلنحفظها كاملة إن تكرمتم، ففي تلك الآية قال عز وجل: "وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ".. فإن الضرب أولاً كان مشروطاً بنشوز الزوجة، لا بمزاج الرجل، وأعتقد أننا بحاجة إلى تعريف المرأة الناشز، فالمرأة الناشز هي التي تمتنع عن القيام بواجباتها تجاه زوجها، وتمتنع عن إعطائه حقوقه دون عذر، أي أنها ترفض أن تقوم بواجبتها تجاهك، بعد أن تكون قد أعطيتها كامل حقوقها.
وليست المرأة الناشز هي التي تنسى أن تكوي لك قميصك، أو ترفض إهانتك لها ولأهلها، أو تطبخ الطعام بلا ملح، وليست الناشز هي التي تكره أن تقوم بواجباتها تجاهك بعد إهانتك لها وتحقيرها، فالإنسان لا يقوى على القيام بواجبه إذا لم يحصل على حقوقه! ثم أنه -عز وجل- قد أمر بالوعظ، فالهجر، فالضرب، وقد وضع الله عز وجل الضرب، في المرتبة الأخيرة التي يلجأ لها الرجل، في حال عدم الاستجابة للوعظ والهجر.. ونكرر، الضرب غير المبرح.. ففي ديننا السمح، ليس لإنسان أن يهين إنسان أو ينتقص من كرامته مهما كانت الأسباب!
أما عن عمل الرجل ونفقته على بيته، فلا حق لك في أن تمنن أهل بيتك في ذلك، وتشعرهم أن نفقتك على بيتك هي كرم أخلاق لا واجب! وعن آية القوامة فقد قال عز وجل: "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ". فإن كنت عزيزي الرجل، تتفكر جيداً في هذا الكلام، ستعرف أن القوامة هي تكليف، ومسؤولية.. وليست تشريفاً وعرشاً تجلس عليه.. فالقوامة هي واجبك تجاه منزلك بالنفقة عليه وحمايته وإدارة شؤونه.. فليس لك أن تمنّ عليهم، وليس لك أن تنتظر منهم الشكر لقيامك بواجبك.. عليك أن تعرف أن ثمن الرجولة باهظ جداً. وختاماً، من كان يبحث عن رجولته في ضرب نساءه، فاضرب، فإنك لا تزدد إلا وضاعةً وسُخفاً، فاضرب، فإنك لا تخسر إلا رجولتك، ولكن، لا تأخذ من القرآن الكريم ذريعة لجهلك! فكلام الله عز وجل ما كان موجهاً إلا لأصحاب العقول، للذين يتفكرون.