محمد بن امحمد العلوي - الرباط - "وكالة أخبار المرأة "

افتتحت بالعاصمة المغربية الرباط، يوم 23 أكتوبر الجاري، فعاليات ندوة حول “القيادة النسائية من أجل السلام ضد الإرهاب والتطرف الديني”، التي تنظمها الرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب. وتهدف الندوة إلى استثمار الخصوصيات وخصال النساء، وتعزيز قدراتهن وخبراتهن وإبراز التزام النساء الناشطات في مجال السلام ومحاصرة التطرف والغلو، ونبهت الندوة إلى أن الدول التي تستهين بقدرات المرأة في هذا المجال تخسر أكثر من نصف إمكانياتها.
 إذا كانت المجموعات المتطرفة بكل تلويناتها قد وجدت في العنصر النسوي مجالا للاستثمار في التطرف وتوسع جغرافياته بتجنيدهن والاعتماد عليهن في العمليات الإرهابية وكذلك استغلالهن في ما يسمى بجهاد النكاح، فليست الصورة كلها قاتمة، كون هذا العنصر الهام والحيوي داخل المجتمع بإمكانه بالمقابل النجاح والتميز في رفع راية الجهاد ضد التطرف والإرهاب على كافة المستويات التربوية والتعليمية والتثقيفية وغيرها من المجالات التي تبدع فيها المرأة في العالمين العربي والإسلامي.
المجتمع يحتاج إلى جميع أعضائه لمواجهة آفات التطرف والإرهاب، كما أكد أحمد عبادي، الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء، أثناء تدخله في ورشة عمل نُظّمت الثلاثاء 23 أكتوبر الجاري، بمقر الرابطة المحمدية للعلماء، تحت عنوان “القيادة النسائية من أجل السلام، ضد الإرهاب والتطرف الديني”، سواء تعلق الأمر بتدني السلم أو صعود العنف، إذ تتحدث الأبحاث عن 51 بالمئة من النساء في العالم، وبالتالي فكل مجتمع لا يستعين بنسائه لعلاج هذه القضايا الحارقة فإنه يفرط على الأقل في هذه النسبة المهمة من طاقاته.
ونظرا للإشكال الحارق المتعلق بتصاعد وتيرة انعدام السلم بشكل كبير في عالمنا وتنامي التطرف العنيف، فقد أشار توماس ريلي سفير المملكة المتحدة لدى المغرب، في ذات اللقاء إلى الأهمية الكبرى التي تضطلع بها المرأة في مختلف شؤون الحياة اليومية، داعيا إلى زيادة حضورها في مواقع القيادة، التي تغيب فيها بشكل نسبي.
ولا يقتصر الأمر على المغرب فقط، وإنما يشمل دول العالم ككل مشيدا بتمثيلية وحضور النساء في المملكة.
من جهته أوضح أحمد عبادي أن هذه الطاقات النسائية توفر مساهمة نوعية، بحكم القدرة على الاستمرار في متابعة التفاصيل والانتباه إلى دقائق الأمور وغيرها من الخصال، لذلك يجب عدم التفريط في مثل هذه الطاقات النوعية، ولهذا أكدت ممثلة هيئة الأمم المتحدة للمرأة في المغرب العربي، ليلى الرحيوي، أن إشراك المرأة والعمل على تعزيز المساواة بين الجنسين يمثلان، في عالم يضع التطرف فيه خضوع المرأة في صلب أيديولجيته، قوة لإرساء سلام مستدام.
ويرى عبدالإله السطي، الباحث في العلوم السياسية والجماعات الإسلامية، أن العنصر النسوي في ظل الاستراتيجيات الجديدة لهذه التنظيمات انتقل من دور المساند إلى دور الفاعل، قصد تعزيز المخططات الإرهابية، لما تلعبه المرأة من دور كبير في المناورة والتمويه في مواجهة الأجهزة الأمنية.
وقالت ممثلة هيئة الأمم المتحدة للمرأة في المغرب العربي، ليلى الرحيوي، إن دراسة عالمية أجرتها هيئة الأمم المتحدة للمرأة قد أظهرت أن النساء يشكلن موردا هاما لتعزيز السلام والاستقرار، وإن إشراك المرأة هو منعطف حاسم في إرساء السلام، معتبرة أن المجتمعات التي تحترم حقوق المرأة تعد أقل عرضة للتطرف.
وأوضحت عائشة حدو، مديرة مركز البحث والتكوين في العلاقات بين الأديان وبناء السلم، التابع للرابطة المحمدية للعلماء، في المداخلة الافتتاحية، أن هذه الندوة تروم إبراز “التزام” النساء الناشطات في مجال السلام.
وأكدت السيدة حدو أن الباحثات في مجال علم الأديان، المنخرطات في العلاقات بين الأديان واللواتي يناضلن من أجل طمأنة المجتمعات، غالبا ما لا يلقين الاعتراف ولا يتمتعن بالنفوذ في مجتمعاتهن، مضيفة أن هذه الطاقات في حاجة إلى توحيد الصفوف وتبادل المعارف والممارسات الجيدة والتزود بما يلزم من أدوات.
وفي هذا السياق لا بد من التذكير بالورش التي أطلقتها المملكة المغربية منذ عام 2004 متمثلة في مشروع لإعادة هيكلة المجال الديني، وكان من بين الخطوات التي تم اتخاذها تعيين مرشدات للتوعيـة بالـتدين المعتدل والعمل على تحصين المواطنين من مزالق التطرف والعنف، وهي تجربة استفاد منها الرجال والنساء.
وشدّد أحمد عبادي، الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء، على الأدوار الكبرى التي تلعبها المرأة في استراتيجية محاربة التطرف التي تنتهجها المملكة، مبرزا أنه لا مناص من الاستعانة بجميع فئات المجتمع قصد تجفيف منابع التشدد الديني.
وفي هذا الصدد يعمل المغرب على تأهيل العنصر النسوي لمواجهة كل محاولات المتطرفين لاختراق بنية المجتمع واستقراره، وذلك من خلال تجربة تأطير وتأهيل عمل المرشدين والمرشدات في المساجد تحت رقابة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وتعد تجربة مهمة في زيادة وعي النساء المغربيات بأمور دينهن الوسطي المتسامح، حيث لم يقتصر دور المرشدات في الوعظ والتوعية الدينية داخل المساجد، بل ولجن مساحات أخرى من مستشفيات وسجون وجمعيات وغيرها من المؤسسات للحد من الفكر المتطرف ومحاصرته في المهد.
من جانبه يعتقد توماس ريلي، السفير البريطاني بالمغرب، أننا فقدنا 52 بالمئة من مجتمعنا ومعها فقدنا العديد من الإمكانيات والكثير من الفرص بعدم تجنيد النساء لمحاربة الإرهاب والتطرف الديني، مضيفا أن المغرب يمتلك خبرة واسعة في مجال محاربة الإرهاب والتطرف وسنحاول الاستفادة منه إلى أقصى حد.
ونظرا إلى أن الظاهرة الإرهابية بمختلف تشعباتها تدفع الباحثين إلى مقاربة أبعادها الفكرية والاقتصادية والاجتماعية والوجدانية، فان الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء دعى في هذا اللقاء إلى البحث في بدايات الزيغ التي تنشأ لدى الطفل عبر العادات في البيوت، وليس هناك أقدر من الأمهات لتصحيح هذه الأمور، إذ يضفين المزيد من النجاعة على طريقة المعالجة.
وبالمناسبة ذاتها، أكدت ليلى رحيوي، ممثلة عن الأمم المتحدة للنساء، أهمية تسخير قدرات العنصر النسوي لمواجهة التطرف الديني والإرهاب وجميع أشكال العنف، نظرا للخصوصيات التي يتمتعن بها.
وللرفع من وعي النساء بخطر التقنيات التي يعتمدها منظرو الجماعات المتطرفة، أشار إدريس الكنبوري، الباحث المغربي في شؤون الجماعات الإسلامية  إلى الدور الذي تقوم به إذاعة محمد السادس للقرآن الكريم وقناة التلفزيون التي تحمل نفس الاسم، والتي تسعى إلى التعريف بقيم الإسلام، وهما موجّهتان إلى الأسر ويتابعها النساء بشكل أكبر، وهذا جزء من مواجهة التطرف الذي قد يستهدف النساء.
وفي ذات السياق أكدت آسية بنصالح العلوي، السفيرة المتجولة للملك محمد السادس، أن توعية المرأة وتعزيز حقوقها وإشراكها في التنمية الشاملة تحميها هي وأسرتها من الوقوع فريسة للجماعات المتطرفة والمتشددة، داعية إلى التركيز على تعزيز المعرفة القانونية للنساء لمعرفة الحقوق والواجبات، وأن ينتقلن من منطق الضحية إلى الريادة.
وهناك من يلح على أن محاربة التطرف مهمة مشتركة بين النساء والرجال والإنسانية جمعاء، فقد اعتبرت رئيسة مركز “إيزيس للمرأة والتنمية”، فاطمة صديقي، أن أصوات النساء تتعالى في منطقة البحر الأبيض المتوسط وأفريقيا ضد تصاعد العنف ضدهن باسم الإسلام الذي يستعمل من لدن المتشددين للوصول إلى السلطة، وأضافت أن “الخطابات النسوية الفاعلة تستنكر التطرف وتسعى إلى العدالة”.
وكان من الضروري الاستعانة بالنساء في مواجهة الآفات المهددة للأمن والسلم، كما أكد أحمد عبادي، الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء، كونهن يتمتعن بقدرات نوعية كالانتباه لدقائق الأمور والتعامل مع التفاصيل الدقيقة بجانب القدرة على الاستمرارية، وأضاف العالم المغربي، أن المرأة تتمتع بخصوصيات تسمح لها بأن تلعب دورا جوهريا في معركة الحد من ظاهرة التطرف الديني والإرهاب والعنف من خلال دورها التربوي داخل المجتمع.
ويهدف مشروع “القيادة النسائية من أجل السلام”، الذي ينفذه مركز البحث والتكوين في العلاقات بين الأديان وبناء السلم، التابع للرابطة المحمدية للعلماء، إلى جمع نساء من مناطق جغرافية متنوعة قاسمهن المشترك الالتزام بالسلام ومكافحة التطرف. وتروم الندوة استثمار الممارسات الجيدة للنساء وتعزيز قدراتهن وخبراتهن ووضع منصة رقمية لهذه الغاية.