منال لطفي - لندن - " وكالة أخبار المرأة "

 «أنا أعيش في فقاعة وردية. إنها فقاعة جميلة للعيش فيها. فقاعة مليئة بالنشطاء المدهشين والقمصان الوردية والنساء اللواتي يعتقدن بصدق أنه في إمكانهن تغيير العالم. المشكلة الوحيدة مع الفقاعة هي أنه أحياناً، تنسى أن هناك عالماً خارجها». هكذا تعبّر الكاتبة والناشطة النسوية سكارليت كورتيس، عن تجربتها خلال إعدادها كتاب «نسويات لا يرتدين الوردي» الذي صدر في لندن مطلع الشهر الجاري، ودخل في معارك مع قصر باكنغهام، وأحد أقوى رجال الأعمال في بريطانيا السير فيليب غرين صاحب متاجر «توب شوب».
الكتاب، وهو عبارة عن 52 مقالة، حول معنى الحركة النسوية اليوم، وعنوانه الكامل «نسويات لا يرتدين الوردي... وأكاذيب أخرى»، يحاول أن يدحض مجموعة من الخرافات والصور النمطية الذهنية الكسولة حول معنى النسوية، من بينها أن النسويات لا يرتدين اللون الوردي أو لا يضعن مساحيق التجميل أو يعزفن عن الزواج. كما يحاول أن يقدّم تعريفاً لمعنى أن تكون نسوياً في القرن الـ21، وهل لا يزال العالم يحتاج إلى حركة نسوية اليوم؟
وإذا كان لدى بعضهم شك في أهمية الموضوع، فأحداث هذا الأسبوع في بريطانيا أزالت ذلك الشك. فقد صدر تقرير دامغ عن البرلمان البريطاني في ويستمنستر، تحدّث عن تفاقم أشكال التحرّش بالنساء داخل أروقة البرلمان. وعبر شهادات مئات من النساء، سواء نائبات البرلمان أو مساعدات، أو موظّفات إداريات، تظهر صورة من المعاناة اليومية حيث يجب عليهن الصمت إزاء تلميحات إطراء محرجة أو محاولة اللمس أو عروض غير لائقة يبدو فيها سوء استخدام السلطة في أوضح صوره. وفي إحدى الشهادات، تقول إحداهن: «إذا ما قدّمت شكوى ضد كل شخص قال أو عرض أو حاول التحرّش بي، فإنني لن أجد وقتاً للقيام بأي عمل».
والكتاب الذي يشمل مساهمات من شخصيات عامة وناشطات نسويات شهيرات ومغمورات حول معنى النسوية اليوم، يعالج الموضوع من وجهة نظر جيل الألفية الجديدة، وقد صيغ بطريقة غير أكاديمية ويلامس إشكاليات كثيرة معاصرة، وذلك لتقريب مفهوم النسوية للأجيال الجديدة من الفتيات اللواتي ربما لا يعلمن الكثير عن تاريخ المصطلح أو معناه أو فائدته في عالم اليوم.
وتقول محررة الكتاب سكارليت كورتيس، إن المساهِمات في الفصول من خلفيات مختلفة تماماً، فهناك الناشطات والوجوه العامة المهتمة والمعروفة، وهناك فتيات صغيرات السن غير شهيرات لكنهن مهتمات بالحركة النسوية بسبب تطورات السنوات الأخيرة، وفي مقدّمها حركة «وأنا أيضاً» (Me Too)، و»نفد الوقت» (Time Up) التي كشفت تفاقم ظاهرة التحرّش الجنسي في هوليوود والكثير من المؤسسات الدولية، وعلاقة الظاهرة بهرمية السلطة.
ومن بين المساهِمات، الممثلات: كيرا نايتلي (بطلة كبرياء وهوى للكاتبة البريطانية جين أوستن)، إيما واتسون (بطلة أفلام هاري بوتر)، ساويرس رونان، جودي ويتاكر، وجيما أرتيرون التي أعادت كتابة شخصيتها في آخر سلسلة أفلام «جيمس بوند»، والذي كانت بطلته. وتقول إنه على عكس الفيلم الذي ظهرت به كشخصية مساعدة لبوند تقع في غرامه من النظرة الأولى وتقبل تلميحاته العاطفية، تخيلت شخصية مختلفة 180 درجة لعميلة للاستخبارات البريطانية «أم أي 6» لا تكترث كثيراً للسيد بوند، فهو أكبر منها بـ20 سنة على الأقل، ويستغل سلطته وهي ستلقنه درساً في زمن حركة «وأنا أيضاً» بالوقوف أمامه نداً لند، والقيام بالمطلوب منها بمهنية واستقلال وشجاعة.
أيضاً، من ضمن المساهِمات في الكتاب الناشطة الأميركية أليشا جارزا، إحدى مؤسسات حركة «حياة السود مهمة»، وتريشا شيتي الناشطة في قضايا الاعتداء الجنسي، وليف ليتل، الناشطة في مجال حقوق النساء من الأقليات العرقية والدينية، ونايمكو علي الناشطة ضد ظاهرة ختان الإناث، ومؤسسة منظمة «فتاة مسلمة» أماني الخطاطبة التي تعمل في قضايا النساء المسلمات في بريطانيا، ومنها الزواج المدبّر والإجباري.
وفي المقالات الـ52، يظهر من خلال شهادات الكاتبات كيف أن «التمييز الجنسي» ضد النساء في الغرب لا يزال «سائداً» و»مسكوتاً» عنه، لأن الفتيات منذ الولادة وحتى الممات يجهزن لقبول حقيقة التمييز ضدهن في المناصب، والرواتب، والمعاملة بسبب جنسهن.
وفي أحد الفصول، تقول مؤلفته نايمكو علي: «الأمور تتغير، ونحن نفوز. نعم ، لكننا لم ننتصر بعد». ففي بريطانيا، لا يزال النساء يحصلن على رواتب أقل من الرجال بنحو 20 في المئة، كما لا يزلن أقل تمثيلاً في البرلمان والحكومة والأحزاب السياسية الرئيسة من نسبتهن وسط السكان، ويتعرضن لأشكال عدة من التحرش والعنف بناء على موازين قوى لا تسمح لهن بالفكاك منها.
وفتح الكتاب معركة مع قصر باكنغهام بعدما وجّهت كيرا نايتلي في مقالتها انتقادات لدوقة كمبردج كيت ميدلتون بسبب الطريقة «غير الواقعية» التي تصوّر بها حالة النساء بعد الولادة، ما يضع ضغوطاً إضافية على النساء والفتيات في عالم حافل بالفعل بأشكال متعددة من التمييز ضد النساء.
فقد اتهمت نايتلي دوقة كامبردج بإخفاء حقيقة «الدماء والصراخ» خلال الولادة، إثر ظهور كيت أمام باب المستشفى بعد ساعات من الولادة بجوار زوجها الأمير ويليام في كامل أبهتها.
وفي مقال بعنوان «الجنس الأضعف»، سردت نايتلي بالتفصيل تجربتها الخاصة في الولادة وكيف يبدو أنها تختلف عن الحالات التي تعيشها نساء العائلة المالكة.
وكتبت نايتلي: «خرجت دوقة كامبردج من المستشفى بعد 7 ساعات، وعلى وجهها ماكياج كامل، ترتدي الكعب العالي»، قائلة إن الوجه الحقيقي لمتاعب ما بعد الولادة يتم إخفاؤه. وتحدّثت عن تجربتها الخاصة مع الألم بعد الولادة، والصراخ، والنزيف، واضطراب الهرمونات، وتصدّع الجسد، واكتئاب ما بعد الولادة، وقارنت ما مرت به بالصورة غير الواقعية التي تقدمها دوقة كامبردج.
وينتقد كثر في بريطانيا صورة كيت «المثالية» لحالة المرأة بعد الولادة، مشيرين إلى أنها «تضع توقعات غير واقعية للنساء». وتقول نايتلي إن تقديم صورة واقعية صريحة عن الآلام النفسية والجسدية التي تمر بها النساء خلال الحمل والولادة وما بعدهما «ليس ضعفاً»، بل قوة مضاعفة وتحمّل لمستويات من الألم لا يتحمّلها الرجال.
كما دخل الكتاب ودار النشر البريطانية «بانغوين - راندم هاوس»، التي أصدرته، معركة مع مجموعة متاجر «توب شوب» البريطانية الكبيرة التي كان يُفترض أن تروّج له بوضع لافتات وملصقات على جدرانها، وطاولة عليها الكتاب الجديد وإصدارات أخرى مماثلة لمدة أسبوع، وذلك في إطار اتفاق بين دار النشر والأمم المتحدة لاستخدام عائد المبيعات في إطلاق برنامج دولي تحت رعاية المنظمة الدولية تحت عنوان «كن بنتاً» (Girl Up) للردّ على التعبير السائد «كن رجلاً» (Man Up)، والتصدّي لحزمة من الأفكار الخاطئة مفادها أن الفتيات «أضعف» من الفتيان.
لكن وفي يوم صدور الكتاب، قرر فيليب غرين مالك متاجر «توب شوب»، إزالة الملصقات ولافتات الدعاية على أساس أنها «مثيرة للجدل» و»تعرّقل التسوّق» في متاجر الملابس الشهيرة التي ترتادها عادة مراهقات، وهن الشريحة الذي يتوجّه الكتاب لها أساساً.
وأعلنت دار النشر في بيان، أنه «بالنسبة الى أي شخص كان يأمل بحضور إطلاق الكتاب، بعد جهد هائل من العمل في هذه الشراكة الرائدة، وضعنا الملصقات والطاولة وكنا متلهفين لبدء الترويج والدعاية للكتاب. لكن بعد 20 دقيقة فقط، فكك توب شوب كل شيء».
وقالت كورتيس إن التخطيط لحملة الترويج داخل «توب شوب» ليتزامن مع إطلاق الكتاب استغرق شهوراً، موضحة أنه في مراحل التخطيط، لم يكن هناك أي مؤشّر إلى أن لدى المديرين التنفيذيين من كلا الجانبين تحفظات على الشراكة أو الحملة، واصفة إزالة الطاولة والملصقات الترويجية بأنها «مفجعة وصادمة».
ومن تجربتها خلال العمل في الكتاب والشهادات التي سجلتها، تقول كورتيس إن الحركة النسوية اليوم «ليست نخبوية»، بل هي «حركة طبيعية فطرية». فإدراك أي شكل من أشكال التمييز بسبب النوع، أو اللون، أو الدين، أو العرق لا يحتاج إلى مستوى تعليمي معيّن. واللواتي يتعرّضن للتمييز أو التحرّش يدركن المعاناة اليومية التي تجلبها عليهن هرمية السلطة الذكورية، سواء كن من حملة شهادة الدكتوراه أو غير متعلّمات على الإطلاق.
وهذا كله يعني أن الحركة النسوية لا تزال مطلوبة ومهمة، والكتاب ما هو إلا محاولة لتقريب مفاهيمها لأجيال جديدة من الشابات اللواتي ربما يقعن ضحية الصور الذهنية النمطية الذكورية والكسولة عن معنى الحركة وناشطيها وأهميتها في القرن الحادي والعشرين.